ناضل حسنين: الأمين جمال.. الفتى الذي صاغ المستحيل

 

 

..304  ثلاثة أرقام لا تعني شيئاً لمن لم يذق طعم التهميش، لكنها عند طفل “روكافوندا” أشبه بآية محفوظة. يرفع أصابعه بعد كل هدف كمن يؤدي طقساً، لا احتفالاً. فهل رأيتم مجداً يقاس بالرمز البريدي؟ وهل سمعتم بنجم يضع عنوان فقره على حذاء يلمع تحت أضواء الكاميرات؟

تنشغل الصحافة العالمية برصد أرقامه الإعجازية داخل المستطيل الأخضر، وتغفل الوجه الآخر: درس في سوسيولوجيا الهجرة، ووفاء لا يشيخ، وصراع بقاء لم يخبر عنه أحد. فلنضع هذا الفتى تحت المجهر، بعيداً عن الأضواء، لأن بعض القصص لا يجوز لها ان تبقى في غرف الأخبار.

خطأ شائع يقع فيه الجميع: التعامل مع “لامين” كاسم أول و”يامال” كلقب عائلة. لكن الاسم كله دين لم يتم تسديده بالمال. “الأمين” و”جمال”… رجلان مدّا يداً لعائلة على حافة التشرد، حين وصل الأب “منير نصراوي” مهاجراً من العرائش المغربية، والأم “شيلا إيبانا” قادمة من غينيا الاستوائية، إلى إسبانيا في أيام عجاف لا ترحم.

رد الوالدان الجميل بأغلى ما يملكان: دمج اسمي الشخصين اللذين أنقذا العائلة ليكون اسماً لابنهما البكر. ثم جاءت اللكنة الكتالونية لتحور النطق، فصار “الأمين جمال” في سجلات الحالة المدنية “لامين يامال” في نشرات الأخبار. من يصدق أن أعظم اسم في كرة القدم اليوم ولد من فاتورة معنوية لم تسدد بعد؟

لا لم تكن طفولته مفروشة بالورود. لا لم يكن البيت مستقراً. انفصل الوالدان وهو في الثالثة تقريباً، فحمله القدر بين بلدتي “ماتارو” و”جرانوليريس” كطرد بريدي لا يجد له عنواناً ثابتاً، يلهث بين والدٍ ووالدة في سباق لقاءات مؤقتة. ووسط هذا الشتات، لم تكن الأم قادرة على أكثر مما تسمح به وظيفة شاقة وأجر لا يكفي، ولم يكن الأب حاضراً بما يكفي.

لكن فاطمة كانت هناك. جدته لأبيه، حاضنته الفعلية في حي “روكافوندا” الهامشي. لا تسأل عن مهنتها، فمهنتها كانت طبخ الأكل المغاربي له، والسهر على تعليمه، وانتشاله من مستنقع الجريمة والضياع في حي لا يرحم من يتوانى.

أين يقع انتماء هذا الفتى؟ هنا تكمن العبقرية في إدارة هوية مركبة لا تحتمل القسمة. لا ينكر الأمين جذوره الإفريقية والعربية، بل يفتخر بها علناً، فوضع علمي المغرب وغينيا الاستوائية على حذائه، إلى جوار علم إسبانيا، البلد الذي اختار تمثيله بملء إرادته، رداً للجميل لمجتمع صقله. لا تناقض هنا، ولا مساومة. فمن يملك ثلاثية انتماء كهذه لا يحتاج أن يختار، بل يحتاج فقط أن يتذكر.

وأما “304”، فليست استعراضاً كما يظن من يشاهد من بعيد. إنها الأرقام الثلاثة الأخيرة من الرمز البريدي لحارته الفقيرة (08304)، رسالة سياسية واجتماعية مشفرة يوجهها في كل مباراة: أنا ابن الهامش، ولا أنسى من أين أتيت.

كيف عثر برشلونة على هذه الجوهرة؟ لم تكتشفه عين كشاف محترف في ملعب أنيق، بل عثر عليه الإسمنت. إسمنت “روكافوندا” الذي صقل الموهبة قبل أن يعرف أحد اسمها. كان الأمين يداعب الكرة في ساحاته بمهارة استثنائية، فسجلته عائلته في ناد محلي مغمور اسمه “سي إف لا توريتا”. هناك رآه أحد كشافة برشلونة، وأُصيب بالذهول من طفل في السادسة يقرأ الملعب كما يقرأ الكبار الجريدة. رفع التقرير فوراً إلى “جوردي رورا”، المسؤول عن أكاديمية “لاماسيا”، الذي أمر بضمه على الفور، ووفر له إقامة كاملة تضمن استقراره النفسي والغذائي والتعليمي. من هناك، بدأت صياغة الأسطورة.

فهل تصدقون أن “304” ليست رقماً، بل عهداً؟ عهد فتى هزم التفكك الأسري والفقر والتهميش، حاملاً على حذائه تاريخ قارتين، وفي قلبه وفاء لحي صغير لم يغادره أبداً، ولو حمله المجد إلى آخر الأرض.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى