طه اغبارية: الحديث عن “المنكر”!

أنا مع الحديث عن “المنكر” انطلاقًا من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، بل أرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم شعائر هذا الدين. لكن المشكلة التي ألحظها في خطاب بعض الدعاة والمشايخ، هي أن مفهوم “المنكر” يُختزل غالبًا في قضايا محددة، مثل التبرج، والاختلاط المحرّم، والموسيقى، حتى إن بعض الخطباء قد يخصّصون شهرًا كاملًا للحديث عنها، وكأن المنكر لا يتجاوز هذه العناوين.
بينما تمتلئ مجتمعاتنا بمنكرات أخرى، لا تقل خطورة، بل قد تكون آثارها على الناس والمجتمع أشد وأوسع.
فالإضرار بالجيران منكر.
والتعدّي على حقوق الناس منكر.
والأنانية، وغياب روح التعاون على الخير وخدمة البلد، منكر.
و”الخاوة” منكر.
والاتجار بالسلاح منكر.
والوقوع في الربا والاستدانة الربوية منكر.
ورمي النفايات في الشوارع منكر.
والخوض في أعراض الناس واغتيابهم منكر.
وإزعاج الناس ليلًا بإطلاق النار، أو بالمركبات والدراجات، منكر.
وثقافة “نفسي… نفسي” منكر.
والتقاعس عن البذل والعطاء من أجل المجتمع منكر.
وترك مرافق المساجد، ومنها دورات المياه، في حالة من الإهمال والقذارة، منكر.
ومخاطبة الناس بالفحش وسوء الأدب منكر.
وإهمال النظافة العامة منكر.
هذه مجرد نماذج يسيرة من منكرات كثيرة تملأ حياتنا اليومية، ولو أننا أحسنّا الأمر بالمعروف والنهي عنها، لكان حال مجتمعنا مختلفًا تمامًا، ولأصبح أكثر تماسكًا ورقيًا، وأقرب إلى نيل تأييد الله ونصره؛ لأن نصر الله لا يكون بالشعارات، وإنما بطاعته، وإقامة المعروف، ومحاربة المنكر بكل صوره.
وأعتقد أن من المهم إعادة التوازن إلى خطابنا الدعوي، بحيث يشمل جميع المنكرات التي نهى الله عنها، ولا يقتصر على جانب دون آخر. فالإسلام لم يجعل حرمة المنكر مرتبطة فقط بطبيعته، بل كذلك بأثره وضرره.
ومن هنا، فإن المنكر الذي تتعدى آثاره إلى الناس، فيظلمهم، أو يعتدي على حقوقهم، أو يفسد أمنهم، أو يبدد أموالهم، أو يمزق نسيج مجتمعهم، هو من أخطر المنكرات، لأن ضرره لا يقف عند صاحبه، بل يمتد إلى الآخرين. أما المنكر الذي يقتصر ضرره على فاعله، فعلى خطورته وإثمه، فإن أثره يبقى أضيق نطاقًا.
ولهذا، فإن مجتمعنا اليوم بحاجة إلى خطابٍ يوسّع دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليشمل كل ما يفسد حياة الناس، ويهدر كرامتهم، ويعطل مصالحهم، ويشيع الظلم والفوضى بينهم، حتى نستعيد المعنى الحقيقي لهذه الشعيرة العظيمة، كما أرادها الله تعالى.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



