د. علي خليل جبارين: بين صندوق الاقتراع وجدل الفرقة!

في مواجهة القضايا المصيرية يفترض أن يتصدر المشهد أصحاب العقول الراجحة والآراء المتزنة المستندة إلى معطيات موثوقة وحقائق واقعية بعيدا عن الشعبوية والاندفاع العاطفي. لكن في مجتمعنا العربي في الداخل الفلسطيني نادرا ما نجد هذا الصنف وقضية الانتخابات البرلمانية خير مثال على ذلك.

ورغم أنني عبّرت عن رأيي فيها سابقا أرى حاجة إلى توضيح بعض جوانبها، التي ما زالت ضبابية ولم تطرح بوضوح كاف يساعد على فهم عمق تأثيرها على المواطن العربي.

فالمواطن في المجتمعات المستقرة ينظر إلى الانتخابات البرلمانية بوصفها فرصة للتغيير وأداة للتأثير في حياته السياسية، ويرى المشاركة فيها حقا وواجبا وطنيا وأخلاقيا في وقت واحد. فهي ليست مجرد عملية لانتخاب نواب،  بل وسيلة لإسناد مسؤولية سن القوانين التي تحمي أمن المجتمع واستقراره وتصون حق الإنسان في السكن والحياة الكريمة وتضمن عدالة توزيع الموارد بما يخدم رفاه المجتمع وتطوره، إضافة إلى كونها أداة رقابة ومساءلة لأداء الحكومات.
إلا أن قراءة نقدية لواقع المواطن العربي في الداخل الفلسطيني تكشف عن غياب هذه النظرة المتفائلة إلى الانتخابات البرلمانية أو إلى انتخابات الكنيست تحديدا، وتظهر بدلا منها حالة من التشكك في جدوى هذه العملية وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطن العربي.

وتعود هذه الحالة إلى أسباب عديدة يأتي في مقدمتها سببان رئيسيان. اما السبب الأول فهو سياسات التهميش والإقصاء والتمييز الممنهجة التي مارستها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه المواطنين العرب، والفجوة الكبيرة بين الوعود الانتخابية وما تحقق فعلا على الأرض، وتشكيل واقع يضع سقفا لطموحات هذا المجتمع وإنجازاته، بصرف النظر عن قدرات وجهود أبنائه او نسبة مشاركتهم في الانتخابات. وهو موضوع معروف ولا حاجة إلى الإطالة فيه هنا.

أما السبب المباشر الثاني، الذي انعكس سلبا على نظرة المواطن العربي إلى الانتخابات البرلمانية وطريقة ممارسته لحقه الانتخابي،  فيرتبط بسلوك نخب المجتمع وقياداته في تعاملها مع القضايا الخلافية التي تمزق نسيجه الاجتماعي. فبدلًا من التدخل النوعي المباشر لحسم هذه القضايا، اختارت هذه النخب إثارة الجدل حول الثوابت – دينية كانت أم وطنية أم سياسية – تاركة مساحة ضبابية بل مستنقعا من القيل والقال واللغط العشوائي الذي تسبب بالأذى والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد.

والمشكلة هنا لا تكمن في الثوابت ذاتها من حيث مضمونها أو وضوحها، فهي تحظى بقبول أكثرية أبناء المجتمع وتعبر عن تطلعاتهم وتشكل جزءا أساسيا من الهوية الجماعية للعرب في الداخل الفلسطيني. وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في عجز القيادات عن ترجمة هذه الثوابت إلى مواقف وممارسات عملية ساعة الامتحان الحقيقي.

وتتجلى الإشكالية حين يتحول موقف سياسي أو قضية اجتهادية إلى “ثابت” غير قابل للنقد أو التغيير، فيصبح الاختلاف حوله سببا للتخوين والتشرذم، متجاهلين أن إصلاح ذات البين يحظى بمنزلة أعظم في ديننا الحنيف. كما تتجلى أيضا حين تقاس وطنية الشخص وانتماؤه بمعايير يضعها هذا الطرف أو ذاك، ويعتبرها “ثوابت وطنية” لا تقبل النقاش.

وهنا يبرز دور القيادة الواعية والمبادرة في خلق مناخ من الحوار العقلاني الجاد، القائم على الأدلة الواضحة والمعطيات الموثوقة بوصفه مدخلا حقيقيا لتجاوز أزمات مجتمعنا وتعزيز مكانته.. حوار يستند إلى الوقائع وطرح البدائل الأفضل ويعمل ضمن ضوابط واضحة تحدد خياراتنا. حوار يحول التعدد الفكري من مصدر للتشرذم إلى مساحة للتنوع المشروع، ضمن إطار جامع من الثوابت المتفق عليها.

وهذا الحوار الشفاف والمسؤول هو وحده الكفيل بأن يحول دون تكرار ما حدث بالأمس مع أحد أبناء مجتمعنا، حين تطرح قضية بالغة الحساسية على منصات التواصل الاجتماعي ثم يترك الأمر لسيل من المواقف المتناقضة – بين مدح وذم وتشهير – من دون معطيات حقيقية أو توفر أي أدلة تبرر الإدانة أو التبرئة. وهو ما قد يوقع الظلم بهذا الطرف أو ذاك بعيدا عن الحقيقة. ونحن أولى الناس برفض الظلم والطغيان، لا بالإسهام فيه من حيث لا ندري. لذا، تقع على القيادات الدينية والوطنية والسياسية مسؤولية مضاعفة في لم الشمل وتوحيد الجهود، وتهيئة هذا المناخ الصحي للحوار الواعي بين أبناء المجتمع الواحد، وأن تقدم نموذجا يحتذى في احترام موقف المقاطعين للانتخابات وتقدير وعيهم وموقفهم المبدئي.

كما ينبغي للمقاطعين بالمقابل احترام قرار المشاركين واستعدادهم لخوض التجربة الانتخابية، رغم ما يحيط بها من تخوف وحذر ومخاطر.

وفي هذه الظروف العصيبة، علينا أيضا ان نتذكر أن أكثر القوانين المجحفة التي تؤثر مباشرة في حياتنا هي نتاج الانتخابات البرلمانية. فلتكن قراراتنا واعية ومتوازنة ومنطلقة من الحرص على المصالح العليا لمجتمعنا.

حوارنا الواعي قوة وخلافنا ضعف.. والله الموفق والمستعان!

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى