د. رفيق مصالحة: لمادا نقتل بعضنا ؟!

أعي جيدا بأنني اخوض في موضوع شائك عندما احاول ان اناقش اسباب العنف والجريمة المستشرية في مجتمعنا. لكنني اود هنا ان اناقش واحده من اهم هده الأسباب والتي ترهقنا وتجثم على صدورنا مند زمن بعيد.
من خلال عملي كطبيب ولسنين طويله وصلني الكثير من المرضى ضحايا هدا العنف البغيض. وما شد انتباهي ان الكثير من هؤلاء الضحايا يجمعهم سبب واحد، وهو الصراع الناتج عن ضائقة الأرض والمسكن.
وهنا تحضرني قصه دلك الشاب المسكين، طالب جامعي متفوق. كان يسكن في حي مكتظ بساكنيه في احدى مدننا، حيث تكدست البيوت والتصقت الجدران ومداخل البيوت ببعضها البعض، حالة من الاكتظاظ الخانق ودلك لضيق مسطحات الأرض المسموح البناء عليها مما لا يتناسب مع وتيره التكاثر السكاني في مجتمعنا.
عندما ابتدأ سنته الدراسية الأخيرة عقد العزم واقتنى سيارة صغيره تساعده على ان يقوم بواجباته الجامعية الكثيرة، ولكي يحصل هده السنة على شهادة الهندسة التي كان يحلم بها دائما. لكنه لم يأخذ في حساباته المكان الذي سيركن فيه سيارته عند العودة الى البيت. فان الوضع في الحي صعب والاكتظاظ شديد.
لدا أخد يركن سيارته على الرصيف الترابي امام بيته، لكن الجزء الخلفي من السيارة رغم صغرها يتعدى بيته ويعبر حدود الجيران دون ان يؤدي الى أي ضائقه لهم. لكن هذا الوضع لم يرق لجيرانه الذين – رغم توسلاته ولعلمهم بصعوبة الوضع في الحارة – أصروا بشده بان سيارته لا تعبر حدود بيتهم، ومنحوه بضعة أيام ليتدبر امره ويبحث عن مكان آخر، ولكن دون جدوى.
بعد انتهاء المدة المحددة وعند عودته من الجامعة، بينما كان يركن السيارة امام البيت في نفس المكان، ولا يزال يجلس على الكرسي خلف المقود، انقض عليه ابن الجيران وهو شاب يافع كان يصرخ ويزمجر.. وفجأة دفع بيده عبر نافده المركبة، وأطلق عده عيارات نارية من مسدس صغير اصابت ساقيه وقدميه.
ومند دلك الحين ورغم العلاج المكثف في مراكز طبية مختلفة لم يعد يستطيع الوقوف على قدميه، أصبح معاقا ابديا يجلس على كرسي نقال.
هناك الكثير من الحالات الشبيهة يروح ضحيتها العديد من الجرحى والوفيات كل سنة، وتبقى الصراعات محتدمة على كل شبر من الأرض وعلى الحيز والمكان. وكان لغة الحوار والتروي لم يعد لها أي مكان في عالمنا هدا.
من خلال دراساتي قبل بضع سنوات، استوقفني بحث علمي مهم موضوعه دراسة تأثير الاكتظاظ البيئي على فئران المختبر. وهدا بالطبع ينعكس على جميع الكائنات الحية، ومنها الانسان.
في البداية، وضع الباحثون عشرة فئران – نصفهم من الذكور ونصفهم من الاناث – في قفص كبير فيه متسع للجميع ثم قدموا لهذه الفئران الاكل والماء بكميات وافرة، وراقبوا تصرفاتها وطبيعة العلاقات بينها.
في البداية، كانت العلاقات جيده تخلوا من أي ظواهر عنف ونزاع.
وكما نعلم فإن الفئران تتكاثر بوتيرة عالية جدا، حيث ان مدة الحمل لا تتجاوز الثلاثة أسابيع فقط وكل حمل يحتوي على 6-14 جنين، معظمهم يولد معافى وينمو بسرعة. لذا خلال اقل من ثلاثة أشهر أصبح عددها حوالي عشرة اضعاف، أي ما يقارب المائة فار.
وخلال هده الفترة، اضاف الباحثون كميات من الماء والغذاء بما يكفي للجميع لكنهم لم يعطوا أي مساحة اضافية وحافظوا على نفس القفص. لدلك عانت الفئران من اكتظاظ خانق، ولم يبق لها أي حيز للحياة. عندها، بدأ صراع وجودي بينها وأخدت الفئران القوية تأكل الضعيفة وتقضي عليها، وتفاقم الصراع مع وتيرة ازدياد العدد.
وهكذا هو حالنا في البلاد، ففي عام 1948 بقي حوالي 150 ألف فلسطيني صامد يعيش على ارضه، بينما أكثر من مليون فلسطيني هجروا ليعيشوا في الشتات. ومند دلك العام حتى اليوم مرت أكثر من 78 سنة، ازداد عددنا الى حوالي مليوني انسان أي أكثر من عشرة اضعاف، لكن ورغم هدا الازدياد لم نحصل على شبر واحد إضافي من الأرض، بل بالعكس نعاني من سياسة التضييق في مسطحات مدننا وقرانا ونعاني سياسات التمييز وهدم للبيوت،
والنتيجة واضحة نصلى بلظاها كل يوم!!
** الكاتب اخصائي امراض الاعصاب / كفر قرع.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



