شوقية عروق منصور: حين يجلس الزجل على عرش حنجرة الشاعر توفيق الحلبي

إذا أردنا الدخول إلى كلمة ” الزجل” يقف أمامنا التعريف الذي ينجح في تغطية الكلمة ليجعل منها تعريفاً بارداً يُقيد الحنجرة ويحمل قنديل اللغة إلى العتمة ليؤكد ” الزجل هو فن شعري يُكتب باللهجة العامية بدلاً من العربية الفصحى ويعتمد على الإيقاع والقافية وسهولة الأداء ويُلقى أو يُغنى في كثير من الأحيان ، وقد انتشر الزجل في بلاد الشام ولبنان وفلسطين وسوريا والأردن ، ومن خصائصه الكتابة باللهجة العامية ، والاعتماد على الوزن والايقاع واستخدام الصور البلاغية والتشبيهات والتعبيرات الشعبية ، وقد يكون فردياً أو على شكل مناظرات شعرية بين زجالين .
لكن إذا أردنا أن نطرق أبواب الزجل – المحلي- نتنهد قبل الدخول لأن عالم نزيف القلب الذي يصل إلى الحنجرة وينساب على نهر الكلمات يتوقف عند الشاعر”توفيق الحلبي من مواليد دالية الكرمل 1968″ الذي عانق ” الزجل ” وجعل من عصير الكلمات ذاكرة تقف على أرصفة الوجوه اللبنانية التي قامت ببناء مجدها ، فيذكر” توفيق الحلبي ” ” شحرور الوادي وعلي الحاج وانيس روحانا وطانيوس عبدة ورشيد نخلة وخليل روكز وغيرهم” ممن أطلقوا سراح الزجل ولم يحددوا إقامته بل جعلوه خبزاً لبنانياً مغموساً بالصدق والواقع والحب والطبيعة والحياة البسيطة ورسموه فوق جوه العجائز وخطوات الشباب التي تدك الأرض وتُعلن تمردها وسيطرتها على لحظات الفرح ، لذلك من منطلق التأثر قام الشاعر ” توفيق الحلبي ” بتأسيس ” جوقة الأمل ” وبعدها تأسيس ” فرقة البيادر” مع عدد من الأصدقاء الزجالين في بداية التسعينات وواصلت طريق الابداع رغم صعوبة المسيرة .
وحدها مواعيد النجاح تؤكد عزيمة الانسان، وبخطى ثابتة استمرت مسيرة ” توفيق الحلبي ” الزجلية التي لم تتوقف، بل مضت في قطار الاهتمام والتوهج الإعلامي خاصة حين بدأت اللقاءات مع الزجالين اللبنانيين في الحفلات التي كانت تُقام للجاليات العربية في الدول الغربية. لا أحد يستطيع أن ينكر أن هذه الحفلات كانت تضع صوت وحنجرة وكلمات ” توفيق الحلبي” في حلمٍ يرتعش أمام قيمة وقمة الشعراء الذين يجلسون إلى جانبه على طاولة الفن ، الذي تراقبه العيون والآذان، لكن كان يصبر صبر الأمواج الهادئة التي سرعان ما تقرع الشاطئ بقوة وتخرج من تمردها صوتاً تنحني له الحناجر .
تتغير الأماكن لكن كانت مدينة ” عمان” لها النبض الخاص وركوب صهوة الزجل بين ترابها وحجارتها يُعتبر إنجازاً كبيراً ، لأن في سباق الحناجر الزجلية يكون الفجر الذي يؤكد أن الديوك القادمة من ” آل الحلبي ” يجب ان تكون المميزة .
في مدينة ” عمان ” كان اللقاء الأول ، جماهير الزجل تنتظر ” توفيق ” الذي سيجلس أمام فرقة ” الزغلول” .
يقول ” أمير الشعراء أحمد شوقي ” في قصيدته ” جبل التوباد ” :
” قد يهون العمرُ إلا ساعة وتهونُ الأرضُ إلا موضعا” .
والساعات التي التقى بها ” توفيق الحلبي ” مع زغلول الدامور ” و ” الشاعر عادل خداج ” و ” الشاعر علي فروخ ” و ” الياس خليل ” و “فيصل الصايغ ” و ” ” و” الياس داغر” و ” نديم زين شعيب”
وشاعر سوريا المتالق اسامه السمرا وغيرهم من الزجالين، كانت مهرجانات من الأفراح تمسك بتلك اللحظات وتحولها إلى نشوة إنسانية تحمل بطاقة الصعود إلى أعلى والركض في ميادين الزجل لترسم مستقبلاً مضيئاً .
وبدأت المنابر في بلادنا تستقبل صوت وقصائد ” توفيق الحلبي ” بالإضافة إلى الحفلات والمناسبات التي كان يشارك بها ، كانت جغرافيا المكان تتحول إلى وثيقة زجلية تاريخية تسجل تقدم مسيرة الزجل خطوة خطوة ، فكان فضاء القرى والمدن العربية ” حرفيش وبيت جن والبقيعة ويركا وأبو سنان وعيلبون وفريديس وكفر كنا والمغار ودالية الكرمل والجولان وجلمة جنين ليس مجرد فضاء الحفلات الزجلية والسهرات واللقاءات والمناسبات، بل كانت جميعها تطوراً للحركة الزجلية في البلاد.
وقرر الشاعر ” توفيق الحلبي” جمع جزء من إنتاجه الشعري الزجلي في ديوان ” غمار الفرح” الذي تناول فيه عدة مواضيع وطنية وإنسانية واجتماعية ووجدانيه واضاء على محطّات مهمه في مسيرته الفنيّه . لكن رغم أغصان الأشجار التي بنى عليها ” توفيق الحلبي ” أعشاش قصائده ، بقي ” الكرمل ” الغابة التاريخية والجبل الذي ما زال يحمل صدى أصوات الراحلين ، لذلك عندما يصبح الوطن بحجم الكلمة ، يكون الكرمل بحجم الكون، وقد قال عند ” حريق الكرمل” .
يا كرمل ال ربّيتنا …………ونحنا زغار
عا حضنك ال عن حضن أمّي م انفرق
وحدك كيان……… وجودنا والافتخار
عاشُوا جْدودِي …..فِيكْ أَفْرَادِ وْفِرقْ
ياما ترابَك قلّبوا ……..ورشّوا بْذار
وِشْرِبِت مِنْ جَبْهاتْهُنْ دَمْعِ وْعَرَقْ

وقد وصف حياة الفلاحين ونساء القريه” دالية الكرمل ” :

ما حلى عيشة الفلاحه
بين شمس وفيّ
ونسرح من دَغْشه سْراحه
ونورَد ع الميّ
وْع سْطوح ألدَّار بْراحه
نسوان الحيّ
بْقعدِتهن ع الطُرَّاحة
يهزّوا الغربال

ويقول لأبناء شعبه ويجد مفهوماً آخر للقيادة :

سْمعت الطير الْ بالوديان
بيغنّي .…….، لْشيخ الرعيان
الراعي ، اللي بيحبّ الذيب
ما بتأمّن …..،،…. ع الخرفان

وأيضاً للمناضل يرسل برقية فيها غمز ولمز :
يا مْناضل .. ع دروبك سِيرْ
بتصير … ان ناضلت كْثير
لاكن عِنّا …….. غير الحال
تآمر … ع شعبك .. بتصير

ج
أما الإنسانية فهي الجزء الهام من هوية الشاعر الحياتية :
كل مؤمن كافر مأفون
مأكّد … ميّه …..بالميّه
إلا … إل بخلقُو بيكون
عا قيد ……. الإنسانية

أما الانسان الذي يتغنى بأمجاده وهو بعيد عن تلك الأمجاد :

الإنسان حتّى …….،،يريّح ويرتاح
يحمل لْبُكرا .………، سراج أيامو
بس اللي خلفو بيحمل المصباح
بيبعث ……،.،خيال الظلّ قدّامو

وضمير الشاعر ” توفيق الحلبي” يجلس أمامه ويحاسبه على أعماله فيقول له:

صرلي عمر في هالدَّني سوّاح
حاسب ضميري تريّح وأتعب
لْقيت ال ضميرو بايعو مرتاح
وإلا ال ضميرو حي بتعذّب

وتبقى مسيرة الزجل تحمل زادها ويتسرب من بين أصابعها شراب ” الزجل” المصفى من عسل الكلمات وضجيج التمرد وصراخ الوجع ودموع الانسان .

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى