محمد بكرية: كلّهُم أبنائي!

تسكّعتُ صباحًا بين شجراتِ حديقة البيت،
تقدّمتُ من زيتونةٍ قديمةِ العهدِ بعمرِ جدّي الذي لم أعرفْه، هي زيتونةٌ عربيّةُ المنشأ، واسعةُ الخصرِ، تنتصبُ معوجّةَ القامة من خطوبِ الزمن، وجهّها ذو حضورٍ كما سَحَناتِ العجوزِ ، قد شغّلَ الدهرُ نوائبَه فيه، وأنزلَ الزمنُ نوازلَه عليها، لكنّها أبَتْ إلّا أنْ تظلّ شامخة على انحنائِها،
” زيتونةٌ لا شرقيّة ولا غربيّة يكادُ زيتُها يضيءُ ولو لم تمسَسْه نار، نورٌ على نور،،،،،”
خاطبتُها من بعيد:
أترغبينَ بكثيرٍ أو قليلٍ من الماء؟
لم تُجِبْ بل اشرأبّتْ، ثمّ صعّرَتْ وجهَها عنّي غاضبة.
أعَدْتُ سؤالًا مِلحاحًا:
قلتُ:
إنْ لم تكنْ فيكِ رغبةٌ للماء، هل لي أنْ أقدّمَ لكِ الغذاء؟
أجابتْ بصوتٍ حادٍ، هادئ:
يا بُنيّ، أنا لا أتغذّى على طعامٍ من أحد، ولا أشربُ ماء من أحد، جذوري فيها من القوّة لاجتذابِ غيثِ السماء، وصُنعِ ما طابَ لي من الغذاء.
خَجِلتُ من نفسي كثيرًا، سألتُها على استحياء:
وماذا بخصوصِ الأخريات؟
ألا يشعرْنَ بالجوعِ والعطش؟ هل لي أنْ أقدّمَ لهُنّ ما ملكَتْ يداي؟
ضحِكَتْ منّي ساخرة ثمّ قالتْ باعتدادٍ، بصوتِها الهادئ الحاد:
يا بنيّ:
كلّهم هنا أبنائي، كلّهم أبنائي،
نحنُ نعطي ولا نأخذُ ، لا نأخذُ أبدًا.
ذُهِلْتُ، صُعِقتُ، كِدُتُ أصابُ بالدوّار، هكذا كانتْ تقولُ أمّي.
لمْ أكُ أعرف وجهَ الشبه بين أمّي، زيتونةِ الدار، وزيتونة الحاكورة.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى