المحامي علي أحمد حيدر: ألمانيا في مشهدين: جدار برلين وانتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت

لقد تسنى لي قبل أسابيع قليلة زيارة مدينة برلين، عاصمة ألمانيا، في لحظة كانت تستعيد فيها المدينة واحدة من أكثر محطاتها إيلامًا في التاريخ الحديث، الذكرى الخامسة والستون لبناء جدار برلين، ذلك الجدار الذي شطر المدينة إلى قسمين، وفصل الناس عن بعضهم، وحوّل الحدود السياسية إلى واقع يومي قاسٍ. كان جدارًا يفصل بين برلين الشرقية، الواقعة في دائرة النفوذ السوفيتي، وبرلين الغربية التي كانت تحت إدارة ونفوذ القوى الغربية. وكان الجنود يقفون على الحواجز لمنع الناس من العبور، وكأن الجدار لم يكن يفصل بين شطرين من مدينة واحدة فحسب، بل بين عالمين متعارضين.
لقد وقفت في المدينة نفسها، وعبرت من شرقها إلى غربها ومن غربها إلى شرقها، دون أن أواجه حاجزًا أو جنديًا أو جدارًا. تبدو الحدود التي كانت يومًا من أكثر حدود العالم صرامة وكأنها لم تكن موجودة أصلًا. لكن هل تسقط الجدران فعلًا حين تُهدم حجارتها؟ أم أن بعضها يبقى في الذاكرة، وفي السياسة، وفي وعي الناس، حتى بعد أن تختفي من المكان؟
من برلين، تبدو قصة الجدار أكثر من قصة مدينة انقسمت ثم توحدت، إنها قصة الإنسان حين تتحول الحدود التي يرسمها السياسيون إلى جدران تفصل البشر عن بعضهم.
عند بوابة براندنبورغ، رأيت مرشدون من “مؤسسة جدار برلين” ينتظرون للإجابة عن أسئلة الزائرين حول تشييد الجدار في 13 أغسطس/آب 1961، وموقع الحدود التاريخي عند بوابة براندنبورغ، وتاريخ جدار برلين وانقسام ألمانيا. كما يقدمون معلومات وافية حول المعرض المفتوح «Mauerblicke» (مشاهد من الجدار).
ومن الجدير بالذكر أن جدار برلين بُني في 13 أغسطس/آب 1961 بقرار من قيادة ألمانيا الشرقية، لفصل برلين الشرقية عن برلين الغربية. امتد نظام الجدار والتحصينات الحدودية لمسافة تقارب 155 كيلومترًا حول برلين الغربية، وظل لمدة 28 عامًا أحد أبرز رموز الحرب الباردة والانقسام بين الشرق والغرب. وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، سقط الجدار بصورة سلمية، ليصبح سقوطه لاحقًا أحد الرموز الكبرى لنهاية الحرب الباردة، ويفتح الطريق أمام إعادة توحيد ألمانيا في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1990.
لكن برلين لا تكتفي اليوم باستعادة ذكرى الجدار، فهي، من حيث ندري أو لا ندري، تضعنا أمام سؤال آخر يتعلق بالجدران التي يمكن أن تنشأ من جديد، وإن لم تكن من الإسمنت.
بعد عدة أسابيع من زيارتي، وقبل عدة أيام، جاءت الانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت لتضيف إلى تأملاتي في معنى الجدران والحدود بُعدًا جديدًا ومقلقًا. فقد حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف والشعبوي نتيجة انتخابية كبيرة، متصدرًا المشهد في الولاية، وبفارق واسع عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ. إن صعود “البديل من أجل ألمانيا” بهذه القوة، وحصوله على عشرات المقاعد في برلمان الولاية، لا يمثل مجرد تحول في الخريطة الحزبية الألمانية، بل يشكل مؤشرًا بالغ الأهمية على التغيرات التي تشهدها السياسة والمجتمع الألمانيان، وعلى القيم والتوجهات التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا سيما منذ سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا.
وهنا تبدو المفارقة التاريخية لافتة. فألمانيا التي جعلت من تجربة النازية والحرب العالمية الثانية جزءًا أساسيًا من ذاكرتها السياسية والأخلاقية، والتي أقامت بعد الحرب نظامًا ديمقراطيًا يقوم على حماية الحريات والتعددية وحقوق الإنسان، تواجه اليوم صعود حزب يميني متطرف يتبنى خطابًا شديد التشدد تجاه الهجرة واللاجئين.
ولعل المقارنة مع مرحلة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل تكشف حجم التحول الذي طرأ على الخطاب السياسي الألماني. فقد تبنت ميركل، خصوصًا خلال أزمة اللاجئين السوريين عام 2015، سياسة أكثر انفتاحًا تجاه اللاجئين، واشتهرت بموقفها الداعي إلى استقبال أعداد كبيرة منهم، كما دعت الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولياتها وفتح أبوابها أمام الفارين من الحرب والاضطهاد. أما “البديل من أجل ألمانيا”، الذي ترفض الأحزاب الرئيسية الأخرى التعاون معه سياسيًا على المستوى الاتحادي، فيتبنى خطابًا متشددًا تجاه الهجرة واللاجئين، ويجعل من الحد من الهجرة وإعادة بعض المهاجرين وترحيل من لا يحق لهم البقاء في ألمانيا جزءًا أساسيًا من برنامجه السياسي.
ولا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل أن صعود هذا الحزب لا يمكن اختزاله في قضية الهجرة وحدها، فهو يستفيد أيضًا من مشاعر القلق الاجتماعي والاقتصادي، ومن فقدان الثقة في الأحزاب التقليدية، ومن التحولات التي يشهدها المجتمع الألماني والشرق الألماني على وجه الخصوص.
ومع ذلك، فإن حصول حزب “البديل من أجل ألمانيا” على هذه النسبة المرتفعة من الأصوات وهيمنته على المشهد السياسي في ولاية من ولايات ألمانيا الشرقية السابقة يعيد إلى الذاكرة، بصورة مقلقة، مرحلة تاريخية سبقت صعود الحزب النازي إلى السلطة وإقامة “الرايخ الثالث”، الذي ارتبط بأحد أكثر الفصول فظاعة ودموية في تاريخ البشرية.
لا يعني هذا أن ألمانيا اليوم هي ألمانيا الثلاثينيات، ولا أن التاريخ يعيد نفسه بالضرورة. فالجمهورية الألمانية الحالية تمتلك مؤسسات ديمقراطية قوية، ودستورًا يقوم على حماية النظام الديمقراطي، ووعيًا تاريخيًا عميقًا بجرائم النازية. لكن التاريخ لا يعود دائمًا بالصورة نفسها، أحيانًا يعود في شكل أسئلة، ومخاوف، وخطابات، وتحولات سياسية ينبغي التوقف عندها قبل أن تصبح واقعًا يصعب تغييره.
ولقد أشرنا في مقالات سابقة إلى تفشي ظاهرة الشعبوية اليمينة المتطرفة في العديد من دول العالم كالأرجنتين، الولايات المتحدة، كولومبيا، الهند، بولندا وإسرائيل…إلخ وإلى المخاطر والإضرار التي تسببها في جميع مجالات الحياة.
لهذا تبدو لي زيارة جدار برلين ليست زيارة إلى موقع تاريخي فحسب. فالجدار الذي سقط قبل أكثر من ثلاثة عقود يذكّرنا بأن الجدران ليست دائمًا إسمنتية، وأن أخطرها قد يكون ذلك الذي يُبنى في الوعي، وفي الخطاب السياسي، وفي نظرة الإنسان إلى الآخر.
والشعب الفلسطيني في هذة البلاد يعاني من شتى أنواع الجدران: الأسمنتية والعسكرية والحديدية وجدران في الوعي والخطاب. وفي الوقت الذي ينتقد بها الإعلام الإسرائيلي ويبدي تخوفاً من صعود اليمين في إحدى ولايات ألمانيا، يتجاهل ممارسة ساسته أسوأ أنواع التوحش من إبادة وقتل وتجويع وتهجير وقمع واحتلال اتجاه سكان البلاد الأصلانيين.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



