د. مفلح شحادة: قراءة في قصيدة للشاعر الفحماوي د. يونس جبارين

بعض القصائد تتحدث عن العمر، وبعضها الآخر يجعلنا نعيد تعريفه. وقصيدة «أنا في السبعين» من النوع الثاني؛ فهي لا تنظر إلى السبعين باعتبارها عددًا من السنوات انقضت، بل باعتبارها مسافةً طويلة قطعها الإنسان، ثم التفت في نهايتها ليرى ماذا ترك على جانبي الطريق.
ماذا يبقى من الإنسان حين يصبح الزمن أكثر وضوحًا من الأمس؟
وجاءت الإجابة في القصيدة لا بالكلام المباشر، وإنما بسيرةٍ كاملة: معلّمٌ يرعى الحروف، وتربويٌّ يصغي إلى أحزان النفوس، وشاعرٌ يجد في القصيدة نافذةً حين تضيق منافذ البوح.
ثلاثة ألقاب، لكنها في النص ليست ألقابًا متجاورة؛ إنها خيوطٌ في نسيج إنسانٍ واحد، جعل من المعرفة رسالة، ومن التربية مسؤولية، ومن الشعر ذاكرةً حيّة للروح.
وأحسب أن أجمل ما في القصيدة أنك لم تجعل العمر موضوعًا للفخر، بل جعلت الأثر موضوعًا للمساءلة:
«ما أفتخرُ بطولِ العمرِ منفردًا
لكنْ بما خلَّفتْ كفّايَ من سَنَنِ»
هنا يرتفع النص من الاعتراف بالعمر إلى فلسفة العمر.
فالسنوات، مهما كثرت، لا تمنح الإنسان قيمته وحدها؛ الذي يمنحها المعنى هو ما تتركه اليد بعد أن تنسحب من المشهد. وقد تكون هذه اليد قد أمسكت قلمًا، أو فتحت كتابًا، أو مسحت حزنًا، أو أشعلت في قلب تلميذٍ صغير نافذةً نحو المستقبل.
ولهذا جاءت صورتك الأكثر إنسانية وعمقًا:
«إن كانَ لي في حياةِ الناسِ من أثرٍ
فهوَ ابتسامُ تلميذٍ بعدَ ما حَزِنِ»
هذا البيت، في رأيي، هو قلب القصيدة النابض.
فقد كان بإمكانك أن تجعل الشهادة في علمك، أو في مسيرتك الأكاديمية، أو في عدد السنوات التي قضيتها في التعليم؛ لكنك اخترت ابتسامة تلميذ.
وما أبلغها من شهادة!
أن يتذكر الإنسان في السبعين وجهًا صغيرًا كان حزينًا، ثم استطاع يومًا أن يجعله يبتسم؛ تلك ليست ذكرى عابرة، بل صورةٌ تختصر معنى الرسالة كلها.
المعلم الحقيقي لا يترك وراءه معلوماتٍ فقط؛ يترك في بعض الأرواح قدرةً جديدة على الحياة.
وهنا تتوهج عبارة:
«شابتْ ملامحُ وجهي لا عزيمتُنا»
لأن الشاعر لا ينكر الزمن، ولا يحاول أن يخدع المرآة؛ يعترف بأن الوجه شاخ، لكنه يرفض أن يجعل الشيخوخة قدرًا للروح.
وهذه إحدى أجمل مفارقات النص:
الجسد يحصي السنوات، لكن الروح تحصي المعاني.
أما الشعر، فلم يظهر عندك ضيفًا جاء متأخرًا إلى سيرة المعلم، بل بدا كأنه الرفيق الذي كان ينتظر عند آخر الطريق ليقول ما عجزت الأيام عن قوله.
«والشعرُ كانَ رفيقي حينَ يعجزني
بوحُ الفؤادِ فيأتي صادقَ النغمِ»
وهنا يصبح الشعر أكثر من كتابة؛ يصبح ذاكرةً ثانية للإنسان، ذاكرة لا تحفظ الأحداث فقط، بل تحفظ ارتجاف القلب وهو يعبرها.
ولعل أجمل ما في القصيدة أن السبعين، رغم ثقلها الزمني، لا تأتي في نهايتها كإعلان وصول، بل كعتبةٍ أخرى:
«ما زلتُ أرجو…»
كم هو جميل هذا «ما زلت»!
ففي كلمتين تختصر القصيدة كلها:
ما زلتَ تمضي،
ما زلتَ تعلّم،
ما زلتَ تكتب،
ما زلتَ تحلم،
وما زلتَ ترى في العمر مساحةً لم تُغلق أبوابها بعد.
وهنا يتحول النص من قصيدة عن السبعين إلى قصيدة عن استمرار الإنسان داخل الزمن.
الدكتور الراقي أبا بدر…
أنت لا تقول في قصيدتك: «لقد عشت سبعين عامًا».
بل تقول شيئًا أعمق:
لقد مرّت سبعون سنة من عمري، لكنني لم أتركها تمرّ بي وحدي؛ تركتُ فيها شيئًا مني.
وهنا، في تقديري، يكمن سر جمال القصيدة.
فالأعمار نوعان:
عمرٌ يمرّ على صاحبه،
وعمرٌ يترك صاحبه في الآخرين.
الأول تقيسه الساعة،
والثاني تقيسه الذاكرة.
ولهذا فإن أجمل ما في «أنا في السبعين» أنها لا تجعل السبعين خاتمةً، بل تجعلها مرآةً يرى فيها الإنسان حصاد يديه: حرفًا علّمه، ونفسًا أصغى إليها، وحزنًا خفّفه، وتلميذًا أعاد إليه ابتسامته، وقصيدةً أنقذت شيئًا من القلب من الصمت.
وهكذا يصبح العمر، في قصيدتك، ليس ما انقضى من الزمن، بل ما بقي منك بعد انقضاء الزمن.
فطوبى لعمرٍ حين يلتفت إلى الوراء، فلا يرى أعوامًا متراكمة فحسب، بل يرى وجوهًا تعرفه، وقلوبًا تحفظه، وحروفًا ما زالت تنبض باسمه.
سبعون عامًا في دفتر الزمن…
لكن بعض الأعمار لا تُقرأ بعدد صفحاتها، بل بعدد القلوب التي أضاءتها.
دمتَ معلّمًا لا يشيخ، وشاعرًا يجدّد شبابه كلما كتب، وإنسانًا يزداد عمره في التقويم… ويزداد أثره في الحياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله السبعون، حين تبلغها روحٌ مثلك:
لم أعش سبعين عامًا فقط…
لقد تركتُ في كل عامٍ شيئًا يستحق أن يبقى.
دكتور مفلح شحادة شحادة كاتب وشاعر وناقد المانيا
**
الأديب والشاعر والناقد الأدبي د. مفلح شحادة – ألمانيا: سيرة ذاتية
مفلح شحادة شحادة، أديب وشاعر وناقد أدبي وكاتب، يحمل إجازة في الاقتصاد والتجارة، إضافة إلى دكتوراه فخرية في الأدب، تقديرًا لمسار ثقافي وأدبي جعل من الكلمة مساحةً للمعرفة، ومن الأدب جسرًا للحوار، ومن الإبداع فعلًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان.
بدأت علاقتي بالكتابة من الإيمان بأن الأدب ليس ترفًا لغويًا، وإنما طريقة أخرى لفهم الإنسان والحياة. ومع مرور السنوات، اتسعت التجربة من الكتابة الإبداعية إلى النقد والبحث الثقافي، فأصبحت القصيدة بالنسبة إليّ سؤالًا، والنص مساحةً للتأمل، والنقد محاولةً لاكتشاف ما وراء الكلمات من جماليات ودلالات وأسئلة.
أقيم في ألمانيا، حيث شكّلت تجربة الاغتراب محطةً أساسية في مساري الإنساني والأدبي. وقد أتاحت لي الإقامة في فضاء متعدد الثقافات أن أرى العلاقة بين الوطن والمنفى والذاكرة والهوية من زاوية أكثر اتساعًا، وأن أحوّل المسافة الجغرافية إلى مادة للتأمل والكتابة.
وبالتوازي مع نشاطي الأدبي، انخرطت في العمل الثقافي والإنساني والتطوعي ضمن المنظمة الألمانية الدولية للتنمية والسلام، وأسهمت في مبادرات وأنشطة تتصل بالحوار الإنساني، ودعم اللاجئين، وتعليم اللغة العربية، وتعزيز التواصل بين الثقافات.
وقد رسخت هذه التجربة لديّ قناعةً أزداد إيمانًا بها كل يوم:
أن الإنسان أوسع من هويته، وأن الكرامة لا تحتاج إلى جواز سفر، وأن الثقافة تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه المسافات؛ أن تجعل المختلف قريبًا، والغريب مألوفًا، والكلمة جسرًا بين القلوب.
أكتب الشعر بوصفه بحثًا عن اللغة التي تستطيع أن تقول ما تعجز الحياة عن قوله مباشرة، وأحاول أن أجعل القصيدة فضاءً تتجاور فيه التجربة الشخصية مع الهم الإنساني، وتلتقي فيه الذاكرة بالحاضر، والوطن بالغربة، والحلم بالواقع.
وأعمل حاليًا على إصدار أربعة دواوين شعرية، اثنان منها في مرحلة النشر بالتعاون مع دار نشر مصرية، في مشروع شعري أسعى من خلاله إلى تقديم تجربة تجمع بين البعد الجمالي والإنساني، وتستفيد من الذاكرة دون أن تبقى أسيرة لها.
أمارس النقد الأدبي انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن مهمة الناقد ليست إصدار الأحكام على النص، وإنما الاقتراب منه بحساسية معرفية وجمالية، والإنصات إلى بنيته الظاهرة وما يختبئ خلفها من طبقات ودلالات.
ومن هنا جاء اهتمامي بقضايا النص، والقراءة، والتلقي، والتأويل، وعلاقة الكاتب بالقارئ، وتحولات الخطاب الأدبي.
وأعمل على مشروع بحثي بعنوان: «النص بوصفه كائنًا حيًا: دراسة في تحولات الخطاب الأدبي بين الوعي واللغة والوجود»
وهو مشروع ينطلق من فكرة أن النص لا تنتهي حياته عند لحظة كتابته، وإنما تبدأ حياة أخرى حين يصل إلى القارئ؛ فكل قراءة حقيقية يمكن أن تفتح في النص نافذة جديدة، وكل قارئ يأتي إليه بذاكرته وتجربته وأسئلته، فيعيد اكتشاف بعض وجوهه.
نشرت لي نصوص شعرية وأدبية ونقدية، وشاركت في عدد من الملتقيات والفعاليات الثقافية والأدبية، وأسهمت في النقاشات والحوارات التي تتصل بالشعر والنقد وقضايا الأدب والثقافة.
كما حصلت على عدد من الجوائز والتكريمات والشهادات الأدبية والثقافية من جهات عربية ودولية، أعتز بها بوصفها محطات في الطريق، لا غايةً له؛ فالتكريم الحقيقي، في نظري، هو أن تبقى الكلمة قادرةً على الوصول إلى قارئ، وأن تترك فيه أثرًا يستحق العودة إليه.
ومن تجربة الغربة وما حملته من أسئلة حول الوطن والذاكرة والانتماء والاقتلاع، ولدت روايتي «الغربة»، التي تتناول الإنسان وهو يعبر المسافة بين وطنٍ يسكنه في الذاكرة، ومكانٍ يحاول أن يبني فيه حياةً جديدة.
فالغربة في الرواية ليست مجرد انتقال من جغرافيا إلى جغرافيا، وإنما رحلة داخل الذات، واختبار لعلاقة الإنسان ببيته الأول وذاكرته وأحلامه.
ويمكن اختزال روح الرواية في هذه العبارة:
«ليست هذه حكاية رجلٍ غادر وطنه،
بل حكاية روحٍ عبرت النار والماء والزمن،
لتكتشف في النهاية
أن أطول الطرق… هي تلك التي تقود إلى الإنسان نفسه.»
رؤيتي للأدب
أؤمن أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بأن يكون جميلًا؛ بل ينبغي أن يكون قادرًا على إيقاظ شيء في الإنسان.
فالكاتب، في رأيي، ليس من يملأ الصفحات بالكلمات، وإنما من يستطيع أن يجعل القارئ يرى نفسه أو العالم بطريقة لم يرها من قبل.
والنص العظيم ليس هو النص الذي يغلق معناه عند آخر سطر، بل النص الذي يترك في ذهن القارئ سؤالًا يستمر بعد انتهاء القراءة.
لهذا أؤمن بأن:
النص لا يخلد لأنه بقي ثابتًا، بل لأنه استطاع أن يتجدد.
والقراءة ليست استهلاكًا للنص، بل ولادة أخرى له؛ إذ يدخل النص إلى ذاكرة القارئ وتجربته، ثم يعود إلينا بوجه جديد.
بين الوطن والغربة والكتابة
أحاول أن أكتب من المنطقة التي يلتقي فيها الوطن بالذاكرة، والغربة بالحنين، والإنسان بأسئلته الكبرى.
فقد علمتني الغربة أن الوطن ليس مكانًا فقط، وإنما ذاكرة تسافر مع صاحبها؛ وأن الإنسان يستطيع أن يغيّر عنوانه، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يغيّر الأمكنة التي سكنت قلبه.
ولهذا أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ نوعًا من العودة.
أكتب لأعود.
وأقرأ لأكتشف.
وأنقد لأضيء.
وأحاور لأتعلم.
وفي نهاية الطريق، لا أبحث عن أن يقال إنني كتبت كثيرًا، بل أتمنى أن يقال إنني حاولت أن أكتب بصدق، وأن أقرأ بوعي، وأن أترك للكلمة أثرًا يستحق أن يبقى.
د. مفلح شحادة شحادة
أديب وشاعر وناقد أدبي
ألمانيا
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



