د. محمود علي جبارين: وسينبت برعمنا أقوى رغم كل محاولات الإقصاء والتفكيك!

** وكيف لا ننتفض ونحن نشاهد عروساً بثوب زفافها تُقتاد للتحقيق لأتفه الأسباب؟! وكيف لا نغضب حين يقضي عريس ليلة زفافه في السجن؟!

رغم كل محاولات الإقصاء والتفكيك، غرسنا البذور في صناديق الاقتراع، وسينبت برعمنا أقوى.
لقد تغيّرت المعادلات، وأصبح الاحتجاج لا يقتصر على إغلاق الشوارع والتظاهر والحشد، مع أن مجتمعنا يملك الحق في الاحتجاج بكل الوسائل المشروعة. لكن هذه المرة، أظهر لنا مجتمعنا الباسل والصابر شكلاً آخر من أشكال الاحتجاج؛ احتجاجاً عبر صناديق الاقتراع.
نعم، إنها انتفاضة بكل معنى الكلمة؛ انتفاضة صناديق الاقتراع. فقد أثبتت هذه التجربة أن التعبير الهادئ والمنظم عبر الصندوق قادر على إحداث ما تعجز عنه وسائل كثيرة، وأن صوته قد يكون الأكثر إيلاماً وإرباكاً لمن راهنوا على إضعاف مجتمعنا وتفكيكه. إنها رسالة سياسية مدوّية، ونتيجة لا يمكن تجاهلها في المشهد السياسي.
لقد كانت سياسات اليمين، وممارسات بن غفير، دافعاً قوياً لرفع منسوب الوعي لدى مجتمعنا العربي. وكانت العلاقة بين تصاعد هذه السياسات وتصاعد الوعي والمشاركة واضحة للعيان. وكما يُقال: «إذا بتطرق الباب بتسمع الجواب». لقد أوصل مجتمعنا رسالته إلى آذان اليمين، بل أسمعهم صوتاً لا يمكن تجاهله: نحن هنا، ولن نكون على هامش المشهد.
هذه ليست نهاية الطريق، بل بدايته؛ بداية مسار جديد من الوعي والوحدة، أثبتت نتائجه أننا أقوى بوحدتنا، وأننا قادرون من خلالها على الاستمرار والبناء. وسينبت برعمنا أقوى، وسيشهد مجتمعنا، بإذن الله، ثورة في الوعي السياسي. حتى إن أحد الصحفيين أشار إلى أن ما حدث في الانتخابات الأخيرة في الوسط العربي يستحق أن يُدرَس في الجامعات.
وكيف لا، ومجتمع جريح، يعاني من إرهاب الجريمة المنظّمة، ومن التمييز العنصري على مختلف الأصعدة، ينتفض ويزيل عن كاهله بعضاً من أثقال المعاناة، ليتوحد ويقول للعالم: هذا هو الوجه الحقيقي لمجتمعنا، وليس الصورة التي يحاول البعض إلصاقها بنا. هذا هو المجتمع العربي الواعي، وهذا نحن، لا كما يريدون لنا أن نكون.
نحن لسنا ركاماً من الحجارة، بل شعب يخرج من تحت الأنقاض بأبهى صور الحضارة، متمسكاً بأرضه وهويته وكرامته.
لقد استفحلت شرذمة من داخل مجتمعنا، وغاب عنها الردع والمحاسبة، فأساءت وأمعنت في الإساءة. لكن هذه الظاهرة، مهما طغت، لن تختصر مجتمعنا، ولن تلغي طبيعته الأصيلة التي طالما تباهى بها: الصمود، والألفة، والمحبة، والوحدة، والثقافة العربية العريقة.
إن البذرة التي غرسها مجتمعنا العربي في صناديق الاقتراع يجب أن تكبر وتنمو. وعلينا جميعاً أن ندرك أن الظروف تتغير، وأن الخيارات تتبدل، وأن لكل زمان موقفاً ورجالاً.
إن نتائج الانتخابات الأخيرة، وإن لم تحقق جميع الأهداف المرجوة، فقد زرعت بذور الوحدة من جديد. كبارنا وصغارنا، شيوخنا وأمهاتنا، بناتنا وأولادنا، شبابنا وشاباتنا، توحدوا في مشهد أراد أن يصدّ مارد اليمين الذي طالما نهش في جلدنا وبيوتنا وكرامتنا.
وكيف لا ننتفض، ونحن نشاهد عروساً بثوب زفافها تُقتاد للتحقيق لأتفه الأسباب؟ وكيف لا نغضب حين يقضي عريس ليلة زفافه في السجن؟ وكيف نقبل أن تستبيح الشرطة الأفراح، فتحتجز وتفتش المدعوين بطريقة مهينة، وتقتحم قاعات الاحتفالات؟
وكيف نصمت على الهدم والتضييق بالارض والمسكن؟
لقد باتت مشاهد اقتحام قاعات الأفراح والتضييق على الناس جزءاً من واقع مؤلم لم نعهده بهذه الصورة. ولا أريد هنا أن أتوسع في الحديث عن إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم، فذلك ملف آخر من ملفات المعاناة التي يعيشها مجتمعنا.

لقد توحدنا لنقول: لا.

وإن لم نتمكن من تغيير الواقع هذه المرة كما نطمح، فإننا على الأقل شققنا طريقاً واسعاً، وقدمنا نموذجاً لافتاً في الساحة السياسية، وأثبتنا أن مجتمعنا قادر على إعادة ترتيب أوراقه وصناعة موقفه.

وسيأتي يوم يظهر فيه من يحترم إرادة هذا المجتمع ويقدّرها ويتفاعل معها. لكن الأهم اليوم هو أن نحافظ على وحدتنا، وأن نطور أدواتنا، وأن نحترم إرادة جماهيرنا، وأن تدرك أحزابنا أن المرحلة الجديدة تتطلب توسيع دوائرها واحتضان جميع الأطياف، دون إقصاء أو تهميش.

لقد أصبح من الضروري أن نكون شركاء في تحديد مصيرنا، لا أن ننتظر الآخرين ليتلاعبوا بمستقبلنا، أمثال بن غفير وغيره.

واقعنا ليس مثالياً، ولا يمكن تجاهل حجم التحديات التي تواجهنا. فقد شهدنا محاولات متواصلة لتفكيك مجتمعنا وإضعاف مؤسساته، من خلال التضييق على الجمعيات الأهلية، وإخراج أطر فاعلة عن القانون، والاعتقالات الإدارية التي تطال الأصوات الحرة، ومحاصرة كل تجمع من شأنه تعزيز قوة مجتمعنا وتماسكه. وفي الوقت ذاته، أُطلق العنان لعصابات الإجرام، حتى بات التفكير بالهجرة خياراً مطروحاً لدى بعض العائلات، وغادرت بالفعل عائلات بحثاً عن الأمان.

لكن الرد جاء من حيث لم يتوقعوا: من صناديق الاقتراع، ومن إرادة الوحدة، ومن التمسك بالأرض والهوية والانتماء.

لقد غرس مجتمعنا بذوره، وما على أحزابنا وقياداتنا إلا أن تتحمل مسؤولية رعايتها، وأن تدرك أن هذه البذور أمانة في أعناقها. عليها أن تسقيها بالعمل المشترك، وباحترام إرادة الناس، وبالانفتاح على الجميع، حتى تنمو وتكبر وتزداد تماسكاً ووحدة.

لقد غرسنا البذرة، ولن نسمح لأحد باقتلاعها.. وسينبت برعمنا أقوى.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى