في قلب المعركة… جبارين لـ”القدس العربي”: لا حكومة أقلية دون التنسيق مع القائمة المشتركة

** الناصرة – كتب بكر جبر زعبي – «القدس العربي»:
كلما تقدمت محاولات تشكيل حكومة بديلة لحكومة بنيامين نتنياهو، ارتفعت حدة التحريض على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
وبعد أسبوع من الانتخابات، تجاوز هذا التحريض استهداف الأحزاب العربية ومحاولات نزع الشرعية عن أي تعاون معها، بل وحتى اتهامها بالتزوير وتقديم رشى انتخابية، ليطال المجتمع بأسره، مع دعوات علنية إلى حرمان فلسطينيي الداخل من حقهم في التصويت.
على شاشة القناة 14، القريبة من معسكر نتنياهو، يقول أحد المتحدثين إن من لا يوالي إسرائيل يجب ألا يُمنح حق التصويت.
ويرد عليه آخر أن العرب يحصلون على حقوق أكثر مما يستحقون، فيما يدعو ثالث إلى إلزامهم بثلاث سنوات من الخدمة في جمع القمامة، ثم يعود ليتهم 80% منهم بدعم الإرهاب.
ابن نتنياهو ينضم للتحريض
ومن الولايات المتحدة، انضم يائير، نجل بنيامين نتنياهو، إلى جوقة المحرضين. وكان قد غيّر اسمه قبل فترة إلى “يونتان هون”، لأن اسم نتنياهو يشكّل بالنسبة إليه عبئًا أمنيًا.
ومن بين ما نشره على حسابه في “إكس” ادعاؤه أن “السابع من تشرين الأول / أكتوبر المقبل سيأتي من عرب إسرائيل”، بعدما وصفهم أنهم الخطر الأكبر على بقاء إسرائيل بعد البرنامج النووي الإيراني.
هذا التحريض، الذي تقوده جهات مقربة من المؤسسة الحاكمة، يُوجَّه إلى مواطنين لمجرد ممارستهم حقهم القانوني في التصويت، ولأن نسبة مشاركتهم هذه المرة كانت أعلى من المعتاد، وبلغت نحو 80%.
ووراء هذه المشاركة سنوات من المعاناة من الجريمة، والخوف على الأبناء، والملاحقات، والعنصرية، والاستفزازات، فضلًا عن الحرب على أبناء شعبهم في غزة، وما يجري في الضفة الغربية، ومنعهم حتى من التعبير عن تعاطفهم.
ببساطة، أرادوا تغيير الحكومة وتحسين ظروفهم، فإذا بالنقاش يعود إلى حقهم في المشاركة أصلًا، وإلى ما إذا كان مسموحًا لأصواتهم أن تؤثر في هوية من يحكم.
جبارين: تحريض دموي
وفي حديث خاص لـ”القدس العربي”، وصف رئيس القائمة المشتركة، البروفيسور يوسف جبارين، ما يجري أنه “تحريض دموي وخطير، خصوصًا حين يصدر عن الحزب الحاكم والائتلاف الحاكم، لأنه يبعث برسالة تنزع الشرعية عن وجود المواطنين العرب ودورهم”، محذرًا من أن “هذا الانفلات قد يؤدي إلى اعتداءات عنصرية وجسدية على شبابنا وأهلنا، وعلى كل ما هو عربي”.
“إسقاط نتنياهو أولويتنا ومن يريد بديلًا سيحتاج إلينا”
وكشف جبارين أنه أثار قضية التحريض وخطورتها خلال لقاء مع ممثلين للاتحاد الأوروبي، وطالب بتدخلهم، معتبرًا أن هذه التطورات تتناقض مع حرية المشاركة السياسية والمواطنة المتساوية، ومع الأسس التي قامت عليها اتفاقية التعاون بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.
ورأى أن “الليكود” واليمين المتطرف يسعيان من خلال هذا التحريض إلى نزع الشرعية عن أي تأثير عربي في مؤسسات صنع القرار، لإدراكهما أن إسقاط حكم اليمين سيكون صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا، من دون القوة السياسية للمواطنين العرب.
دعوة إلى “معسكر التغيير”
ودعا قيادة معسكر التغيير إلى اتخاذ موقف “واضح وثابت وصريح وعلني” ضد هذا التحريض، مشددا على خطورة صدوره عبر القناة 14، التي تشكّل مصدرًا إعلاميًا أساسيًا لجمهور اليمين واليمين المتطرف.
ويستمر هذا كله فيما تتراجع الادعاءات التي صدرت في الأيام الأخيرة وطعنت في نتائج الانتخابات.
فقد أكد رئيس لجنة الانتخابات، القاضي نوعام سولبيرغ، سلامة الانتخابات، رغم قربه من اليمين، ورغم أنه هو الذي أثار القضية في البداية.
وقال إن الشبهات المطروحة، حتى لو ثبتت، لا تقوّض النتائج في مجملها. كما رفض الطعن في تصويت المواطنين العرب.
وفي ما يتعلق بالمزاعم حول تدخل خارجي ودعم قطري لإحدى القوائم العربية، تحدثت مصادر إسرائيلية، بينها هيئة البث الرسمية، عن ضعف شديد في الأدلة. كما أفرجت المحكمة عن جميع الذين اعتُقلوا على خلفية شبهات تقديم رشى انتخابية.
ومع ذلك، ما زالت أصوات في معسكر اليمين تشكك في نتائج الانتخابات. ومن بينها موشيه فيغلين، أحد قادة اليمين المتطرف، الذي دعا، الثلاثاء، إلى حل الكنيست وإجراء انتخابات جديدة، واصفًا البرلمان المنتخب أنه “غير شرعي”.
أما نتنياهو، فرغم استمراره في التحريض، بدأ يتراجع عن بعض مواقفه.
ففي خطابه الأول بعد الانتخابات، توجّه إلى معسكره وحده، من دون الحديث عن حكومة وحدة. أما الآن، فيعلن استعداده للبحث في تشكيل “حكومة واسعة”، شرط أن يرأسها وأن تضم حلفاءه.
ويتزايد الحديث أيضًا عن احتمال لجوئه إلى تصعيد عسكري واسع ضد إيران، بالتعاون مع الأمريكيين أو حتى من دونهم، لخلط الأوراق في محاولة للحفاظ على رئاسة الحكومة.
أزيتكوت يقترب من التكليف
ويأتي ذلك مع اقتراب رئيس أركان الجيش السابق، غادي آيزنكوت، من الحصول على التكليف من الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ.
فبعد إعلان أفيغدور ليبرمان أنه سيوصي بتكليفه، قد يحصل آيزنكوت على توصيات 67 نائبًا، إذا انضمت القائمتان العربيتان، المشتركة والموحدة، إلى الموصين به. وهذه أغلبية تمنحه فرصة تشكيل الحكومة، لكنها لا تحسم الخلاف حول الاعتماد على أصوات النواب العرب.
وفي اجتماع الثلاثاء، اتفق قادة معسكر “التغيير” آيزنكوت ونفتالي بينيت وليبرمان ويائير غولان ويائير لبيد على دعم تكليف آيزنكوت وبدء المفاوضات.
واتفقوا أيضًا على التحرك فورًا للسيطرة على الكنيست، عبر تغيير رئيسه ورؤساء لجانه، قبل تشكيل الحكومة، رغم عدم اتفاقهم على رئيس للكنيست حتى الآن.
وأكدوا إصرارهم على تشكيل حكومة “صهيونية”، أي من دون الأحزاب العربية أو الحريدية، في هذه المرحلة.
“تحريض اليمين الإسرائيلي على العرب بسبب نتائج الانتخابات دموي وخطير وقد يؤدي إلى اعتداءات جسدية”
وتردّد الثلاثاء حديث غير مؤكد عن توجّه داخل معسكر “التغيير” إلى قبول دعم خارجي من ثمانية نواب من “القائمة المشتركة”، مع استثناء نواب “التجمع الوطني الديمقراطي” الثلاثة، وذلك إلى جانب دعم “القائمة الموحدة.” برئاسة منصور عباس
وردت “القائمة المشتركة” ببيان أكدت فيه أن التجمع “مركّب أساسي” فيها، وأن أي محاولة لاستثنائه أو الاستفراد به مرفوضة من جميع مكوناتها.
وشددت على أن احترام إرادة جمهورها يقتضي احترام ممثليه، وأن قرارها السياسي “مستقل لا يخضع لإملاءات أو شروط من خارج المشتركة”.
اجتماع “المشتركة” مع غولان
وكان رئيس المشتركة يوسف جبارين ورئيس كتلتها أحمد الطيبي قد بحثا مع رئيس حزب “الديمقراطيين”، يائير غولان، استخدام الأغلبية البرلمانية لاستبدال حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، والدفع بحلول لقضايا المجتمع العربي.
واتفق الطرفان على مواصلة التنسيق وتعزيز الشراكة البرلمانية على أساس المساواة والسلام.
وفي حديثه لـ”القدس العربي”، نفى جبارين أن يكون موضوع استثناء التجمع قد طُرح خلال اللقاء مع غولان أو قبله، موضحًا أن “كل حديثنا كان باسم القائمة المشتركة وبالتنسيق مع جميع مركباتها منذ البداية”.
وقال إن الدعوة إلى اللقاء وُجّهت رسميًا إلى رئيس القائمة ورئيس كتلتها، وليس إليهما بصفتهما ممثلين لـ”الجبهة والعربية للتغيير”، كما ورد في بعض وسائل الإعلام العبرية.
وشدد على أنه “لن نقبل بأي وضع يفرض فيه أحد علينا من يمثل المشتركة أو من يشارك في وفودها. هذه قرارات داخلية توافقية”.
وأضاف أن الوحدة التي طلبها الجمهور العربي ومنح المشتركة ثقته بفضلها تشكّل مصدر قوة لها، مؤكدًا أن التوجه هو تعزيز المشتركة بمركباتها الثلاثة، وتوسيع تعاونها مع الأكاديميين والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني.
كيف يمكن تشكيل حكومة؟
هذه المواقف تجعل ضم القائمة الموحدة إلى الائتلاف صعبًا. فإلى جانب رفض ليبرمان وبينيت، وحتى أعضاء من حزب آيزنكوت، ضمّها، يضع آيزنكوت نفسه شروطًا تتعلق بالاعتراف بيهودية الدولة، والخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية، والاعتراف بأن حماس منظمة إرهابية، ووجوب تدمير قدراتها العسكرية والحكومية في غزة.
وهي شروط يصعب على الأحزاب العربية قبولها. ورغم أن رئيس القائمة الموحدة، الدكتور منصور عباس، سبق أن قبل بعضها، فإن البندين المتعلقين بـ”حماس” والخدمة الإلزامية تحديدًا يصعب جدًا قبولهما، وهما بندان أساسيان تصدّرا النقاش في إسرائيل خلال الفترة الماضية.
حكومة أقلية؟
ولذلك، يتحدث محللون عن حكومة أقلية تضم 48 نائبًا من أحزاب آيزنكوت وشركائه، أو 49 نائبًا إذا انضم إليها منفردًا يوآف سيغالوفيتش، النائب اليهودي الصهيوني المنتخب ضمن “القائمة الموحدة”.
وفي الصيغة الأولى، يبقى سيغالوفيتش، مع بقية أعضاء قائمته، خارج الائتلاف.
وقد تحاول هذه الأحزاب تشكيل الحكومة من دون إعلان أي تنسيق مع القائمتين العربيتين، على أن تصوّتا لصالحها انطلاقًا من التزامهما بإسقاط نتنياهو.
لكن هذا يبقى سيناريو، لا اتفاقًا أُعلن التوصل إليه. وحتى لو جرى التنسيق من دون الإعلان عنه، فلن يغيّر ذلك حقيقة أن الحكومة تحتاج إلى الأصوات العربية، ليس عند التصويت على تشكيلها فحسب، بل أيضًا لتمرير القوانين وإقرار الميزانية وصدّ محاولات حجب الثقة عنها.
“لم يُطرح استثناء التجمع من المشتركة ولن نقبل أن يفرض أحد علينا ممثلينا”
وفي هذا السياق، أكد جبارين لـ”القدس العربي” أن اللقاء مع غولان تناول مختلف السيناريوهات السياسية المطروحة، لكن من دون الدخول في مفاوضات للتوصل إلى اتفاق على صيغة حكومية محددة.
وقال: “نحن نتعامل مع الحقائق، ولغة الأرقام هي الحاسمة الآن. أحزاب المعارضة مع القائمة الموحدة لا تملك أغلبية 61 نائبًا، ولذلك سيكون من الصعب إقامة حكومة أقلية من دون تواصل وتنسيق مع المشتركة، لأن أصواتها حاسمة”.
وأضاف أنه من الصعب إدارة ائتلاف حكومي يستند إلى أقلية برلمانية من دون أخذ موقف الأطراف التي تضمن له أغلبية 61 نائبًا بعين الاعتبار، مشيرًا إلى أن تفاصيل التعامل مع كل سيناريو ستُترك للنقاشات المقبلة.
وتابع: “في أعلى سلم أولوياتنا ألّا يستمر نتنياهو رئيسًا للحكومة، وقد عبّرنا عن استعدادنا للتعاون مع قيادة أحزاب المعارضة من أجل تيسير وتمكين إسقاطه. وإذا كانت هذه الأحزاب جادة في طرح بديل حقيقي، فإنها ستحتاج إلى التنسيق مع المشتركة، التي أعلنت منذ البداية أن إسقاط هذه الحكومة هدف أساسي لها”.
وأوضح جبارين أن اللقاء كان أيضًا فرصة لطرح مطالب المجتمع العربي، وفي مقدمتها مكافحة العنف والجريمة، ووضع خطة خمسية للسلطات المحلية العربية، وتطوير المناطق الصناعية، وتوسيع مسطحات النفوذ، ومعالجة قضايا الشباب والتشغيل، والأطباء والمعلمين.
وأكد أن هذه القضايا تقع في صلب عمل المشتركة البرلماني، أيًا كان موقعها في المرحلة المقبلة، وأن الاستعداد للتعاون مع الأطراف الأخرى يأتي من منطلق خدمة مصالح جمهورها.
الكنيست الجديد
أما التعاون العملي، فقد يبدأ الأسبوع المقبل، مع أداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر. فتغيير رئيس الكنيست ورؤساء لجانه يحتاج إلى الأصوات العربية، وكذلك أي محاولة لإلغاء بعض قوانين “الانقلاب القضائي” التي تقلّص صلاحيات القضاء.
وأكد جبارين أن هذا الجانب احتل حيزًا من النقاش مع غولان، إلى جانب التوصيات التي ستُقدَّم إلى رئيس الدولة.
وأوضح أن فرض التصويت على تغيير رئيس الكنيست يحتاج إلى 61 نائبًا، وهو ما يستدعي التنسيق مع المشتركة. وقال: “لدينا أغلبية برلمانية نطرح فرصة استغلالها لتغيير الحكومة وإنهاء سيطرة اليمين، وهناك خطوات برلمانية نحن على استعداد للتعاون فيها، بل نسعى إليها بأنفسنا، وفي مقدمتها تغيير رئيس الكنيست الحالي”. وأضاف أن “الكثير من الأجوبة موجودة الآن لدى قيادة المعارضة”.
وإذا نجحت هذه الخطوات، فسيبقى نتنياهو رئيسًا لحكومة تصريف أعمال، لكنه سيفقد السيطرة على البرلمان.
ولم يتفق خصومه بعد على هوية رئيس الكنيست المقبل، أو على جميع التشريعات التي سيسعون إلى إقرارها. أما آيزنكوت، فإذا كُلّف، فستكون أمامه 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكان تمديد المهلة بقرار من الرئيس لمدة لا تتجاوز 14 يومًا.
وخلال ولاية حكومة الأقلية، إن شُكّلت، يمكن البحث عن اتفاق مع الأحزاب اليهودية المتشددة دينيًا (الحريديم) لتوسيع الائتلاف. وقد أبقى اجتماع قادة معسكر التغيير هذا الباب مفتوحًا، رغم الخلاف بشأن إعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية.
ويراهن محللون أيضًا على أن يؤدي تقدّم محاكمة نتنياهو بتهم الفساد، أو ما قد تكشفه لجنة للتحقيق في أحداث السابع من تشرين الأول / أكتوبر، إن شُكّلت، إلى إضعاف تماسك معسكره.
وهذا رهان سبق أن رافق حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد عام 2021، حين كانت المحاكمة في مرحلة أقل تقدمًا. لكن الحكومة فقدت أغلبيتها آنذاك بعد انشقاقات في حزب بينيت، إثر نجاح نتنياهو في استمالة بعض نواب الائتلاف.
وتدرك الأحزاب العربية، كما يدرك الطرف الآخر، أن أي حكومة أقلية تقوم بدعم منها قد لا تعمّر طويلًا، ما لم تنجح في ضم أطراف أخرى. ففي ظل قوة اليمين، واحتمال وقوع تطورات أمنية، مثل اندلاع حرب أو شن عملية عسكرية محدودة، ستبقى هذه الحكومة مهددة بالسقوط، إذ قد يدفع أي تصعيد أمني الأحزاب العربية إلى سحب دعمها.
ومع ذلك، تسعى هذه الأحزاب الآن إلى تحقيق أهداف مهمة، ولو مؤقتة، في مقدمتها التخلص من حكومة نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف ومخططاتهم وممارساتهم، وتحقيق مطالب تتعلق بمكافحة الجريمة المنظمة في المجتمع العربي، إلى جانب مطالب أخرى لتحسين ظروف الناس.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



