​وفاء زعبي: قرار بيليد وبن غفير يُحكم الحصار على مصلي الأقصى في رمضان 2026

​مع الساعات الأولى لإعلان ثبوت شهر رمضان، أقدمت شرطة إسرائيل على خطوة تصعيدية تُعد الأكبر منذ سنوات في سياق محاولات تغيير الوضع القائم في مدينة القدس. فقد أصدر القائد الجديد للشرطة في منطقة القدس “أفشالوم بيليد” صباح الأربعاء 18 فبراير 2026، قراراً رسمياً يقضي بتمديد ساعات اقتحام عصابات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك خلال الفترة الصباحية، لتصبح من الساعة 6:30 صباحاً وحتى 11:30 قبل الظهر. هذا التمديد الزمني الذي يمتد لساعة إضافية كاملة لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل هو قرار سياسي بامتياز يعكس بوضوح نفوذ وزير الأمن القومي الفاشي “إيتمار بن غفير”، الذي وجد في بيليد ذراعاً طيعاً لتنفيذ أجنداته الأيديولوجية الرامية إلى تهويد الحيز الزمني والمكاني للمقدسات الإسلامية.

​إن تمديد الاقتحامات حتى منتصف النهار تقريباً يمثل قمة “التضييق التعسفي” الممنهج ضد أصحاب المكان الشرعيين. فانتهاء الاقتحامات عند الساعة 11:30 يعني عملياً بقاء قوات الشرطة وعصابات المستوطنين في باحات المسجد حتى قبيل أذان الظهر بدقائق معدودة. هذا التوقيت الحرج يستهدف تفريغ المسجد من المصلين المسلمين في ذروة توافدهم لأداء صلاة الظهر والاعتكاف، حيث تعمدت الشرطة إلى إغلاق الأبواب وفرض طوق أمني يمنع وصول الشبان والنساء، مما يحول دون انسيابية الحركة الدينية في هذا الشهر الفضيل، ويحول “حق العبادة” المكفول دولياً إلى منحة أمنية يقررها بيليد وبن غفير متى وكيف تُمارس.

​ومن الناحية القانونية، يشكل هذا القرار خرقاً فاضحاً لاتفاقية “جنيف الرابعة” لعام 1949، التي تنظم القوانين والواجبات الملقاة على عاتق اسرائيل تجاه المدنيين ومقدساتهم. فبموجب المادة 56 من هذه الاتفاقية، يتوجب على إسرائيل ضمان صيانة دور العبادة واحترام الشعائر الدينية للسكان في المنطقة. إلا أن قرار بيليد الأخير يذهب في الاتجاه المعاكس تماماً، حيث يتم تسخير القوات الأمنية لحماية المقتحمين وتغيير الهوية التاريخية للمكان، وهو ما يقع أيضاً تحت طائلة مخالفة المادة 27 من الاتفاقية ذاتها، والتي تؤكد على ضرورة حماية ممارسة المعتقدات الدينية من أي تدخل قسري أو مهين.

​ولم تقف حدود التنكيل عند إدارة الزمن، بل امتدت لتطال الإنسان عبر فرض قيود ديموغرافية قاسية. حيث أعلنت الشرطة عن تحديد عدد المصلين المسموح لهم بالدخول من كافة محافظات الضفة الغربية بـ 10 آلاف مصلٍ فقط، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بمئات الآلاف الذين اعتادوا الزحف نحو القدس في رمضان. هذا الحصار الرقمي، الممزوج باشتراطات عمرية قاسية وحيازة تصاريح، يعكس سياسة “الأبارتهايد” أو التمييز العنصري في أبهى صورها. فبينما يتم تسهيل وتمديد دخول المقتحمين اليهود تحت حماية السلاح، يُحرم ملايين الفلسطينيين من حقهم الأصيل في الوصول لمسجدهم، مما ينسف جوهر الإعلانات الدولية لحقوق الإنسان التي تنص على عدم جواز تقييد ممارسة الشعائر الدينية إلا في أضيق الحدود ولأغراض صحية أو عامة طارئة، وهو ما لا يتوفر في هذه الحالة السياسية المحضة.

​إن هذا المشهد القاتم في أول أيام رمضان لعام 2026 يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية. فشرطة إسرائيل بقيادتها الجديدة لا تكتفي باستفزاز مشاعر الملايين، بل تضرب عرض الحائط بكافة التفاهمات الدولية حول الوضع القائم الذي يجعل من الأقصى مكاناً إسلامياً خالصاً تحت الوصاية الهاشمية. إن الاستمرار في هذه التقيدات واستهداف المصلين في أقدس شهورهم يفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهات قد لا تقتصر جغرافيتها على مدينة القدس وحدها، محملةً بيليد وحكومته المتطرفة المسؤولية الكاملة عن أي تدهور قد تؤول إليه الأوضاع نتيجة هذا الاستهتار بالحقوق الدينية والقوانين الدولية.

 

 

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى