ب. ابراهيم طه: الكبسولة الرابعة والثمانون (84).. “ومَن يملك علمَه حتّى يمتحنه؟!”

تصلني بين الحين والحين رسائل مستعجِلة صفراء ناشفة وقحة من بعض طلّابي في الجامعة.. من بعض بعضهم. يسألون فيها أو يطلبون أمرًا يتّصل بوظيفة أو بعلامة أو بمادّة المساقات. كلّ الرسائل تجتمع في ثلاثة أبعاض. البعضُ الأوّل يسجّل رقم هاتفه مجرّدًا لأنّه يعوّل على سلامة فهمي! والبعضُ الثاني لا يعوّل على سلامة فهمي فيُذيّل رسالته: “هذا تلفوني إذا ممكن تتّصل بي”. والبعضُ الثالث يستكثر عليّ “إذا ممكن” فيكتبها على بساط أحمديّ: “هذا تلفوني للاتّصال بي”! هكذا بالضبط لا أزيد ولا أنقص! والجريمة الكبرى إذا تأخّرت في الردّ لعلّةٍ أو لأخرى! حينها تأتي الرسائل تترى تعاتبني بشيءٍ من غضب ظاهر: “أستاذ، بعثتلّك ميل قبل ساعة!!!” مع ثلاث علامات: الأولى للتعجّب والثانية للاستنكار والثالثة للتأنيب.
والشيء بالشيء يُذكر.. قبل عشرين عامًا كنت في مكتبي في جامعة حيفا غافلًا ذاهلًا حين طرق بابي وأذنتُ له بالدخول. لم أكن أعلم من الطارق. لم يتّصل بي أحد ليحدّد موعدًا، رغم أنّ الرجل لا يحتاج إلى تحديد موعد، فبابي مفتوح أمامه على مصراعيه حتّى وإن كان بابي من مصراعٍ واحد! دخل الرجل وابتسامته على عرض وجهه! أربكتني المفاجأة! لم أتوقّع زيارته لي في الجامعة!
جاء الأستاذ رياض إغباريّة، رحمه الله (ولا ييجي اليوم)، بقدّه وقديده وقضّه وقضيضه! هو نفسه بابتسامته العريضة والطويلة يقف عند الباب يستأذنني في الدخول.. قفزتُ بسرعة القرود من حيث كنت وراء مكتبي إلى حيث يقف عند الباب. تعانقنا.. ارتبكت.. وتمتمت بشيءٍ من لغةٍ دخل بعضُها في بعضها!
الأستاذ رياض أستاذي في المدرسة الثانويّة. على يديه الخضراوين الكريمتين درست اللغة العربيّة حتّى شغفني حبُّها. جلسنا هو في مقعده وأنا في مقعدي وراء مكتبي. هي لحظات حتّى تململت وقمت من مكاني وجلست قباله. وهل يُعقل أن أجلس أنا في مكتبي وأنت أمامي، يا أستاذ، بيني وبينك طاولة من الألومينيوم تقلب التراتب الأصليّ بين أستاذ جليل وطالب فتجعل الطالب أستاذًا والأستاذ طالبًا؟! لكنّ مشكلتي الكبرى كانت حين أخبرني بالغرض الذي أجاءه إليّ: “جئتك قاصدًا في طلبٍ راغبًا في أن أكتب بإرشادك أطروحة دكتوراة”.. هكذا مرّة واحدة من الباب إلى الطاقة! لم أنتظر حتّى يكمل حديثه فقاطعته: “إلّا هذه يا أستاذ رياض.. إلّا هذه! وهل ترضى أن تضعني في هذا الموقف؟!” وذكّرته بما قاله شيخ الأزهر والإمام الأكبر جاد الحقّ، رحمه الله، حين سُئل: “لماذا لم يكتب الشيخ محمّد متوليّ الشعراوي أطروحة دكتوراة في الأزهر؟” ردّ يومها الشيخ جاد الحقّ بتواضع وتأدّب: “ومن يملك علمه حتّى يمتحنه؟!” فقال الأستاذ رياض وهو بين اثنتين: “المنطق الذي أنطقك يا دكتور أسعدني بقدر ما ردّني مكسورَ الخاطر!”
واليوم، بعد كلّ هذه السنين، لا أعرف إن كنت قد ظلمته وأنصفت نفسي أم أنصفته وظلمت نفسي!
رحم الله التراب الذي لمّ عظامك يا أستاذ رياض!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



