حصيلة نصف عام دامٍ: 123 ضحية وأكثر من 100 مصاب ومنتخبو الجمهور في دائرة الاستهداف

تقرير: مصطفى وليد زعبي / عرب 48
** سجّل المجتمع العربي في البلاد خلال النصف الأول من العام الجاري حصيلة دامية تمثلت في 123 ضحية جرائم قتل وأكثر من 100 مصاب جراء أعمال العنف والجريمة المنظمة، وسط تصاعد مقلق في استهداف منتخبي الجمهور ورؤساء السلطات المحلية.
تواصل الجريمة المنظمة وأعمال العنف في المجتمع العربي في البلاد تصاعدها بوتيرة مرتفعة منذ مطلع العام الجاري، في ظل تفاقم الشعور بانعدام الأمن الشخصي واتساع دائرة الجرائم المسلحة.
وبينما تتزايد حصيلة الضحايا شهرًا بعد آخر، تتعزز حالة الإحباط والغضب في أوساط الأهالي إزاء استمرار نزيف الدم، وتقاعس السلطات الإسرائيلية عن كبح هذه الظاهرة، بل وتواطؤها مع عصابات الإجرام التي تحصد الأرواح وتفكك النسيج الاجتماعي في عشرات البلدات والمدن العربية.
ولم تقتصر تداعيات العنف على المواطنين فحسب، بل امتدت إلى رؤساء السلطات المحلية والشخصيات العامة. ففي 8 آذار/ مارس 2026، أُصيب رئيس بلدية عرابة، د. أحمد نصار، ورئيس اللجنة الشعبية في المدينة، د. أنور ياسين، بجروح خطيرة إثر تعرضهما لإطلاق نار.
وبعد شهرين، وتحديدًا في ليلة 18 أيار/ مايو الماضي، أُصيب رئيس مجلس جديدة المكر المحلي، سهيل ملحم، ونائبه عبيد عبيد، في جريمة إطلاق نار استهدفتهما، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة الاستهداف ووصولها إلى مواقع قيادية ومؤسسات الحكم المحلي.

وإلى جانب مشهد جرائم القتل الذي يستحوذ على الاهتمام العام، يُستدل من بحث خاص أجراه “عرب 48” على معطيات أخرى لا تقل خطورة، تتعلق بأعداد المصابين جراء أعمال العنف. فمنذ بداية العام، سُجلت أكثر من 100 إصابة في المجتمع العربي، بينها 41 إصابة وُصفت بالخطيرة، و48 متوسطة، و11 طفيفة.
ويشير البحث إلى أن 82 إصابة نجمت عن جرائم إطلاق نار، و11 عن عمليات طعن، فيما نتجت الإصابات الأخرى عن اعتداءات بأشكال مختلفة. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام غير نهائية، إذ لا تُنشر في كثير من الحالات معطيات رسمية، أو لا تُستكمل تفاصيل الحوادث من قبل الشرطة أو طواقم الإسعاف.
كما يُلاحظ خلال الأشهر الستة الأولى من العام تصاعد مقلق في الجرائم متعددة الضحايا، بعدما شهدت البلدات العربية 6 جرائم أسفرت كل واحدة منها عن مقتل شخصين، إلى جانب 3 جرائم أخرى حصدت أرواح ثلاثة أشخاص في كل جريمة، ما يعكس ازديادًا في حدة العنف واتساع نطاقه داخل المجتمع العربي.

وبلغت حصيلة ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي منذ مطلع العام 123 ضحية. وسجل شهر شباط/ فبراير العدد الأعلى من الضحايا بواقع 30 قتيلًا، يليه كانون الثاني/ يناير بـ27 ضحية، فيما سُجلت 19 ضحية في كل من آذار/ مارس ونيسان/ أبريل وأيار/ مايو، بينما بلغ عدد الضحايا في حزيران/ يونيو 9 ضحايا حتى الآن.
وتُظهر المعطيات أن أكثر من نصف الضحايا كانوا من الفئة العمرية بين 18 و30 عامًا، ما يشير إلى أن الشباب ما زالوا الشريحة الأكثر استهدافًا. كما شكّل القاصرون دون سن 18 عامًا نحو 5% من مجمل الضحايا، في معطى يعكس اتساع تأثير دائرة العنف لتشمل فئات عمرية أصغر سنًا.
وعلى مستوى البلدات والمدن العربية، تصدرت الناصرة قائمة ضحايا جرائم القتل منذ بداية العام بـ9 ضحايا، تلتها اللد والرملة بواقع 8 ضحايا لكل منهما، ثم أم الفحم ورهط بـ7 ضحايا لكل مدينة، وشفاعمرو بـ6 ضحايا، ويافة الناصرة بـ5 ضحايا، فيما سجلت كل من الطيرة وطمرة 4 ضحايا لكل منهما.
* تدهور وتصعيد منذ أربع سنوات
تقول مديرة مركز “إيلاف” لتعزيز الأمان في المجتمع العربي، المحامية راوية حندقلو، في حديث لـ”عرب 48″: “ما نشهده اليوم هو تعمّق لأزمة الأمن الشخصي والجماعي في المجتمع العربي، وتغلغل متزايد لمنظمات الجريمة المنظمة في مختلف مناحي الحياة. ووفق المعطيات الحالية، نتحدث عن ارتفاع في عدد ضحايا القتل بنسبة 5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكن عدد الضحايا هو جزء فقط من الصورة”.
وتوضح حندقلو: “أزمة الأمن والأمان لا تُقاس بعدد القتلى والجرحى وحده، بل أيضًا بحجم إطلاق النار اليومي، وجرائم الابتزاز والخاوة والتهديدات، واستهداف المصالح التجارية والممتلكات العامة والخاصة، والخوف الذي يرافق الناس في حياتهم اليومية. نحن أمام حالة متزايدة من فقدان الأمان والثقة واتساع دائرة المتضررين”.
وتشير إلى أن “الأخطر هو التصعيد المستمر، ليس فقط في عدد الجرائم، بل أيضًا في طبيعتها وأساليب تنفيذها. نشهد جرأة متزايدة لدى منظمات الإجرام، واتساع دائرة الاستهداف لتشمل السلطات المحلية ورؤساء البلديات وأصحاب المصالح التجارية والنساء والأطفال. كما نشهد حضورًا متزايدًا لهذه المنظمات في الفضاء العام وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث تسعى إلى استعراض القوة والنفوذ وتكريس نماذج مشوهة للنجاح والمكانة الاجتماعية، خصوصًا بين الأجيال الشابة”.
وتضيف: “إلى جانب ذلك، نرى محاولات متزايدة للتغلغل في آليات ومؤسسات اجتماعية مختلفة، واستخدامها وسيلة لاكتساب الشرعية وتبييض الصورة وتطبيع وجودها داخل المجتمع. وربما من أخطر ما نواجهه اليوم هو خطر التطبيع مع هذا الواقع نفسه. لذلك، فإن الحديث لا يدور فقط عن ارتفاع في عدد الجرائم، بل عن أزمة بنيوية عميقة تمس نسيج الحياة اليومية، وتؤثر على القيم والعلاقات الاجتماعية وثقة الناس ببعضهم البعض وبالمؤسسات، وتكشف عن اتساع نفوذ منظمات الإجرام في ظل استمرار الفجوات في تطبيق القانون وحماية المواطنين، وهي في الأساس تهديد مستمر لوجودنا هنا”.
* الحرب الأخيرة ومدى تأثيرها على الجريمة
وتقول حندقلو: “لا أعتقد أن الحرب حدّت فعليًا من الجريمة المنظمة. ربما تراجع الاهتمام الإعلامي والعام بالقضية، لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا. ففي كثير من الأحيان شهدنا تزامنًا بين إطلاق صفارات الإنذار وإطلاق النار داخل البلدات العربية، وكأن المواطنين العرب كانوا يعيشون حالتي انعدام أمن في الوقت نفسه: تهديدات الحرب من جهة، وانعدام الملاجئ، والعنف والجريمة المنظمة من جهة أخرى”.
وتسهب حندقلو قائلة: “صحيح أن بعض المؤشرات أظهرت تراجعًا مؤقتًا في فترات معينة، لكن الجرائم لم تتوقف، وإطلاق النار استمر، وكذلك الابتزاز والتهديدات واستهداف المصالح التجارية. وإذا كان للحرب تأثير ما، فهو أنها دفعت هذه القضية إلى هامش الاهتمام العام والإعلامي، بينما استمرت منظمات الإجرام في العمل وتعزيز نفوذها على الأرض. بل يمكن القول إن الحرب كشفت حجم انعدام الأمان المضاعف الذي يعيشه المواطنون العرب، حيث وجدوا أنفسهم بين أزمة أمنية وطنية عامة وأزمة أمن شخصي ومجتمعي مستمرة داخل بلداتهم. لذلك، فإن الشعور بالأمان لم يتحسن، بل بقيت الجريمة حاضرة في الحياة اليومية رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب”.
* استهداف منتخبي الجمهور
وتشدد حندقلو على أن “استهداف رؤساء السلطات المحلية ليس حدثًا منفصلًا، بل هو أحد أخطر المؤشرات على تغوّل منظمات الإجرام واتساع نفوذها داخل الحيز العام. فعندما يصل الأمر إلى تهديد أو استهداف رؤساء بلديات ومجالس محلية، فهذا يدل على أن هذه المنظمات لم تعد تكتفي بالعمل في الظل، بل أصبحت تسعى إلى التأثير في مراكز اتخاذ القرار والتحكم بالموارد العامة والمناقصات والمشاريع الاقتصادية”.
وتردف: “السلطات المحلية هي إحدى الجهات المركزية في إدارة الموارد والخدمات والمشاريع التنموية، ولذلك نشهد محاولات متزايدة للضغط عليها أو التأثير في قراراتها. وعندما يصبح رئيس سلطة محلية أو موظف عام هدفًا للتهديد والعنف بسبب موقعه أو دوره، فإن الرسالة لا تُوجَّه إليه فقط، بل إلى المؤسسة بأكملها”.
وتلفت إلى أن “هذه الظاهرة تعكس محاولة متزايدة لإخضاع الحكم المحلي لمصالح منظمات الإجرام وفرض النفوذ داخل الحيز العام. لذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بحماية رؤساء السلطات المحلية، بل بحماية مؤسسات الحكم المحلي نفسها وقدرتها على العمل باستقلالية وخدمة المواطنين دون ضغوط أو تهديدات. وعندما تصل الجريمة المنظمة إلى مرحلة تستهدف فيها رؤساء السلطات والموظفين العموميين، فإننا لا نتحدث فقط عن أزمة جنائية، بل عن تحدٍّ يمس سيادة القانون والديمقراطية المحلية. فالخوف والتهديد والعنف لا تؤثر فقط على متخذي القرار، بل تنعكس أيضًا على استعداد المواطنين للانخراط في العمل العام والمبادرات المجتمعية والحياة السياسية المحلية”.
واختتمت حندقلو حديثها بالقول: “عندما يشعر الناس أن المشاركة العامة قد تكلّفهم ثمنًا شخصيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا، فإن ذلك يضعف الثقة بالمؤسسات ويقوّض أسس الديمقراطية المحلية نفسها. ولهذا، فإن مواجهة الجريمة المنظمة هي معركة من أجل البقاء والصمود والمستقبل، ومن أجل مجتمع آمن ومتكاتف ومسؤول ومؤثر”. (عن: عرب 48)


من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



