شوقية عروق منصور: رأيت رام الله!

عذراً من روح الكاتب الفلسطيني “مريد البرغوتي”، الذي أصدر عام 1997 كتاب “رأيت رام الله” الذي هو عبارة عن سيرة ذاتية ممزوجة بتأملات يحكي فيها تجربته بعد العودة إلى مدينة رام الله، بعد غياب دام نحو ثلاثين عاماً بسبب حرب 67.

وبقدر ما اعتبر الكاتب “مريد البرغوتي” عودته لحظة فرح إلا أنه غرق في الدهشة لأن المكان الذي تركه ليس هو المكان الذي عاد إليه، ذكرياته اصطدمت بواقع غريب لا يمت إلى الماضي إلا بصلة الحنين الذي ضاع بين ممرات السياسة وبين الوجه الآخر للاحتلال.

مثل صمت قرر أن يصنع من رفضه تحدياً، قررت زيارة مدينة رام الله – ورام كلمة آرامية تعني المرتفع، بعد غياب أكثر من عشرين عاماً.

بعد أن كان التردد يتلطخ بخيبات الأمل، خاصة بعد أن كانت الشوارع والمؤسسات والأسواق والمتاجر هادئة، تعيش في حالة من الاسترخاء أثناء “الحرب على غزة”. ورغم الإبادة الجماعية والجوع والتشرد ومواكب الشهداء بقيت شوارع المدن الفلسطينية تصافح دهاليز الحياة اليومية وتسير حسب الخطوات المدروسة، لا تحيد ولا تخبط خطوات الرفض والقلق .

في الطريق إلى مدينة رام الله، تجد الأعلام الإسرائيلية مزروعة على جانبي الطريق.. وحين تمر من دوار مدينة “روابي” تجد داخل الدوار عشرات الاعلام الإسرائيلية التي غُرست بطريقة صارخة، تريد التأكيد: “إننا هنا وسنبقى والاحتلال قائم”.

ويكون التساؤل عن السلطة الفلسطينية وقيمتها السياسية، خاصة مقر الرئاسة لا يبعد كثيراً زمنياً، أما جغرافياً فتشعر أن وجود هذه السلطة مجرد حكاية صاغها الاحتلال كقناع أراد أن يزين به واقعه الغرائبي.

ادخل مدينة رام الله التي تعج بالحركة، الناس في الشوارع والطرقات، تحاول المحلات والمتاجر والواجهات الزجاجية مصافحة العيون، تشعر أن هناك خيوطاً تتنهد وتمد رائحة قهرها على الهواء والجدران واللافتات،  حتى الإشارات الضوئية في الشوارع تتخذ السبات مللاً من الخضوع، لقد لاحظت أن الضوء الأحمر في الإشارة يأخذ زمناً أكثر من الضوء الأخضر، حتى أنه يدفع أصحاب السيارات إلى الاحتجاج الذي ينزف عبر همهمات من شتائم وأحزان تغطس في الواقع الذي لا يعرف فيه إلى أين سيصل .

أعيد للقلب مكانه، سأمر على ” المقاطعة” أو المقر الرئاسي الفلسطيني، حيث تضم “المقاطعة” المكاتب والقاعات وضريح الرئيس “ياسر عرفات” – الجدير بالذكر أن في عام 2002 قد تم حصار “المقاطعة” خلال عملية ” السور الواقي” وبقي “عرفات” محاصراً حتى وفاته عام 2004 .

في داخل ” المقاطعة ” ومن خلال الديكور المتعرج والقاعات البيضاء التي تخالف الواقع الأسود، برزت الغرفة الصغيرة التي كان ينام فيها الرئيس “عرفات ” أثناء الحصار، حيث كانت الغرفة محاطة بالبراميل المليئة بالرمال، خوفاً من إصابته بالرصاص الذي كان ينهال على المقر، لحظات من الحزن وأنت تتأمل سريره المتواضع وفراش حارسه .

تنتقل إلى المتحف الذي يحوي صور النكبة ونضال الشعب الفلسطيني ورجاله وشهدائه وسنوات الجمر التي عاشها – وما زال يعيشها – من خلال نضاله، الصور تعانق الملامح والوجوه التي غابت وتطارد الذاكرة التي أصبحت شاهداً على نضال الشعب وقدرته على مواجهة الاحتلال .  ومن بين الصور التي برزت بشكل واضح مصافحة “رابين وعرفات” وصور اتفاقية “كامب ديفيد” وقهقهة السادات الشهيرة: “لقد سمعتها”!

ولكن من بين الصور الكثيرة للرئيس “عرفات” لم تبرز صورة له مع زوجته “سهى”، أو قصة زواجه مع أن في الحياة السياسية عربياً وعالمياً  أصبحت صورة زوجة الرئيس ملاصقة للرئيس لأنها جزء لا يتجزأ من حياته وقد يكون لها سلطة على قراراته، وصورة قبلة الرئيس عرفات على يد “ليئة رابين” زوجة رابين  تؤكد احترام زوجة الرئيس، ولإثبات جذور الرئيس عرفات وضع في المتحف ” صورة عقد زواج والده من والدته”، حتى اللوحة الكبيرة التي قام برسمها أحد الفنانين،  و المعلقة بفخر والتي تضم صوراً لرجال ونساء أثروا التاريخ الفلسطيني، برزت صور نسوة مثل فدوى طوقان، ليلى خالد، فاطمة برناوي وغيرهن، لوحة تحضن القاعة الكبرى، وعندما تتأمل الوجوه تلاحظ غياب بعض من لهم بصماتهم النضالية والفكرية، ولا نعرف هل هذا  التجاهل عن قصد، لا نعرف؟

تخرج من المتحف مصاباً بحزن حيث تتكوم الدموع، ولكن تقوم ببلعها وتطفو فوق أحلامك دولة هاربة من قفص الاتفاقيات ومن ذل الحواجز العسكرية الإسرائيلية .

حين رأيت ضخامة المبنى أو ما يُطلق عليه “أيكون مول” ويقع في وسط رام الله، تحسست خارطة المجتمع، وبينما أبجدية المحلات تنطق بأسماء الشركات العالمية، كنت أحاول جمع أرقام البطالة المتفشية، ووجوه الشباب التي تبحث عن أشغال وأعمال، وصور ملاحقة العمال الفلسطينيين أثناء وجودهم داخل أراض عام 1948 بحثاً عن عمل، تلك الصور التي وصلت إلى تهريبهم في حاويات القمامة وفي صناديق السيارات محشورين بطريقة مهينة، وهناك من يعتلي الجدران العالية التي تفصل ما بين المدن والقرى معرضاً نفسه للخطر،  لعله يجد عملاً داخل الخط الأخضر. نعرف من حق أي دولة أن تهتم بتنمية اقتصادها ويتمتع سكانها بالراحة والحرية والشراء والمصاريف ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بصوت عال :

–  لماذا لم تقم السلطة الفلسطينية ببناء المصانع لتشغيل العمال والشباب، بدلاً من هذا المجمع الضخم ؟  هل تريد عن طريق هذا المجمع إرسال رسالة للمجتمع الدولي أننا دولة قادرة اقتصادياً ؟

– وهناك عشرات المشاريع التي أثبتت أن لا قيمة لها للشعب، بل هي عناوين فضفاضة.

–  لماذا هذه الفخامة في المجمع التجاري “أيكون مول”، الذي تدل فخامته ومتاجره التي تحوي شركات عالمية بأسعار خيالية وتنافس مجمعات دول أوروبا والعالم، وأن السلطة تدير اقتصادها بكل البحبوحة،  بينما ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني يعيش في فقر وبطالة.

أشارت  الدكتورة  ياسمين زهران من مواليد عام 193، المتخصصة في علم الآثار وشغلت سفيرة الثقافة والتربية حول العالم، في كتابها “رام الله التي كانت” الذي صدر عام 2015 عن  ظاهرة  الأبنية والأموال التي جاءت من الدول المانحة (تطور رام الله من البدء إلى أوسلو، إذ حدث تغير هائل وسريع بعدها، فتوقفت عن الجمع عندما تدفقت على رام الله الجموع العائدة من تونس والبلاد المجاورة، وعندما تمركزت السلطة الوطنية فيها، هرع إليها طلاب الوظائف من النازحين بعد النكبة الثانية، وبعد أن تجمعت فيها المؤسسات الأجنبية غير الحكومية التي تنفذ مشاريع وهمية تخفي وراءها التجسس والعمل على تفكيك المجتمع الفلسطيني، ثم انهالت عليها الأموال الحلال والحرام وازداد العمران في بنايات دون تناسب أو تناغم وامتلأ الخلاء حولها بأكوام الحجارة وأصبحت البلد التي ترونها اليوم .. ص 21 ) .

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى