د. عطاف مناع صغير: المعلّم في العصر الرقمي.. من ناقل للمعرفة إلى صانع للوعي

تُعدّ العملية التربوية في العصر الحديث إحدى أكثر العمليات الإنسانية تعقيدًا، نظرًا لتداخل الأبعاد المعرفية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر فيها. فقد أدّى تسارع التطور العلمي والتقني، ولا سيما في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، إلى إعادة تشكيل بنية التعليم وأدواته، وإلى طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التعلم، ووظيفة المدرسة، ومكانة المعلّم داخل المنظومة التربوية المعاصرة.

تقليديًا، ارتبط دور المعلّم بنقل المعرفة وضبط الصف، غير أن هذا التصور لم يعد كافيًا في ظل وفرة المعلومات وسهولة الوصول إليها. إذ لم تعد المعرفة حكرًا على المعلّم أو المؤسسة التعليمية، بل أصبحت متاحة عبر وسائط متعددة، الأمر الذي أعاد تعريف العملية التربوية بوصفها عملية بنائية، تشاركية، تقوم على الفهم والتأويل والتفكير، لا على التلقين والاستظهار. وفي هذا السياق، تبرز مكانة المعلّم بوصفه فاعلًا تربويًا مركزيًا، يتجاوز دوره البعد التقني إلى أدوار إنسانية وقيمية لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها.

تؤكد الفلسفات التربوية الحديثة، ولا سيما الفلسفة البراغماتية والنقدية، أن التعليم عملية إنسانية تهدف إلى إعداد الفرد للحياة في مجتمع ديمقراطي، قائم على التفكير والمسؤولية والمشاركة الواعية. ويرى جون ديوي (Dewey) أن المعلّم ليس ناقلًا للخبرة، بل منظّمًا لها، يهيئ بيئة تعليمية تسمح للمتعلمين ببناء معارفهم من خلال التفاعل والخبرة. ومن هذا المنظور، تصبح العلاقة التربوية بين المعلّم والمتعلّم عنصرًا جوهريًا في تحقيق التعلم ذي المعنى.

وفي ظل صعود الذكاء الاصطناعي في التعليم، ظهرت أطروحات ترى في هذه التقنيات بديلًا محتملًا عن المعلّم، مستندة إلى قدرتها على تحليل البيانات، وتخصيص التعلم، وتقديم تغذية راجعة فورية. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن العملية التربوية ليست عملية حسابية أو تقنية محضة، بل ممارسة أخلاقية واجتماعية تتطلب وعيًا بالسياق، وفهمًا للبعد الإنساني، وقدرة على الحكم القيمي. فالمعلّم هو من يوجّه استخدام التكنولوجيا، ويقيّم مخرجاتها، ويكشف تحيّزاتها، ويمنح التعلم بعده الإنساني.

ويؤكد باولو فريري (Freire) أن المعلّم فاعل نقدي، يسهم في تحرير وعي المتعلّمين، لا في تكييفهم مع واقع مفروض. ومن هذا المنطلق، فإن اختزال دور المعلّم في الإشراف التقني أو تنفيذ المناهج الرقمية يهدد جوهر التربية بوصفها فعلًا تحرريًا، ويحوّل التعليم إلى عملية آلية تفتقر إلى المعنى والقيمة. ولذلك، فإن الحفاظ على مكانة المعلّم لا يعني مقاومة التطور التقني، بل توظيفه توظيفًا ناقدًا يخدم أهداف التربية الإنسانية.

في العصر الحديث، يُعاد بناء دور المعلّم بوصفه موجّهًا للتعلّم، ووسيطًا ثقافيًا، وميسّرًا للحوار، ومربّيًا للقيم، وقائدًا أخلاقيًا داخل البيئة التعليمية. ويقتضي هذا الدور امتلاك كفايات معرفية ورقمية، إلى جانب كفايات نقدية وأخلاقية تمكّنه من التعامل الواعي مع التحولات التكنولوجية، دون أن يفقد العملية التربوية بعدها الإنساني.

خلاصة – إنَّ العملية التعليمية التربوية المعاصرة تقوم على تكاملٍ متوازن بين المعلّم والتكنولوجيا، بحيث تبقى القيادة التربوية بيد الإنسان، وتظل القرارات التعليمية ذات طابع أخلاقي وتربوي لا تقنيّ صرف. فالتكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت كفاءتها، تظل أدوات داعمة توسّع إمكانات التعلّم، لكنها لا تستطيع اختزال جوهر التربية الذي يقوم أساسًا على الحوار، والتوجيه، وبناء المعنى. ومن هنا، تبقى مكانة المعلّم في العصر الحديث ركيزة أساسية، لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تمتد إلى إدارة التعلّم، وتنمية التفكير، وغرس القيم، وبناء إنسان قادر على الفهم والنقد والتكيّف و صانع للوعي مع تحولات العصر والمستقبل.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى