معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: عام 2026 عام انفجار هجمات المستوطنين الدموية على المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية 

أظهرت معطيات رصدها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي خلال الأشهر الأولى من عام 2026 تصاعدًا بنيويًا غير مسبوق في طبيعة المشهد الأمني في الضفة الغربية، حيث تصدرت هجمات المستوطنين المنظمة واجهة هذا التصعيد، بعد أن سجلت ارتفاعًا لافتًا أسفر عن سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى الفلسطينيين جراء استخدام الرصاص الحي والمباشر.

“اعتداءات المستوطنين لا تُقرأ إلا كجزء من نمط أوسع لإعادة تشكيل السيطرة على الأرض، يقوم على الضغط المتواصل على التجمعات الفلسطينية بهدف التهجير”

وتشير القراءة التحليلية لهذه المعطيات إلى أن ما يجري لا يندرج ضمن موجة عنف ميداني تقليدية فحسب، بل يعكس عملية “إعادة توزيع هندسية” لأدوات الإرهاب بين فاعلين رئيسيين على الأرض، هما جيش الاحتلال والمستوطنون، في إطار يتسم بتكامل وظيفي وتداخل في الأدوار تحت غطاء سياسي وأمني رسمي من حكومة الاحتلال.

غير أن القيمة التحليلية لهذه البيانات لا تقف عند حدود الأرقام المجردة، بل تتجاوزها إلى محاولة قراءة التحولات البنيوية في نمط إدارة استهداف الفلسطينيين. إذ تشير المؤشرات الرقمية في مطلع عام 2026 إلى مفارقة واضحة؛ فلم يحدث تراجع شامل في مستوى التوتر أو حدة الصراع، بل جرى إعادة توزيع مدروسة لمصادر العنف وأدواته، بما يعيد تشكيل أنماط الاستهداف والضحايا على مستويات مختلفة من الفعل الميداني، ويضاعف أثرها على الفلسطينيين في الضفة الغربية.

ووفق التقرير، انخفضت الخسائر الإسرائيلية الناتجة عن العمليات الفلسطينية إلى مستويات متدنية تاريخيًا، في مقابل ارتفاع ملحوظ في أعداد الشهداء والجرحى الفلسطينيين الذين سقطوا نتيجة اعتداءات مباشرة نفذها مستوطنون. ويعكس هذا التباين، وفق القراءة التحليلية، تحولًا في مركز الثقل داخل منظومة استخدام القوة، بحيث لم تعد العمليات العسكرية النظامية الأداة الوحيدة أو الأساسية لإنتاج الردع، بل باتت مجموعات استيطانية مسلحة تؤدي دورًا متقدمًا في الميدان.

وتشير البيانات الإحصائية، من زاوية الرصد الأمني الإسرائيلي، إلى أن عدد القتلى الإسرائيليين منذ بداية عام 2026 وحتى آخر تحديث للمؤشرات بلغ قتيلين فقط، مقابل 48 مصابًا. ويأتي هذا الانخفاض مقارنةً بالسنوات السابقة، ولا سيما في أعقاب التصعيد الأمني الواسع خلال عامي 2023 و2024، حيث سجلت الإحصاءات السابقة 702 إصابة بين الإسرائيليين بنسبة بلغت 89.43%، مقابل 83 إصابة بين الأجانب والمتضامنين الأجانب بنسبة 10.57%.

وتكشف المقارنة الزمنية التفصيلية لمسار الإصابات عن تذبذب واضح؛ إذ سُجلت 124 إصابة في عام 2023، ثم ارتفعت بصورة حادة في عام 2024 لتصل إلى 337 إصابة، مقابل 47 إصابة بين الأجانب، قبل أن تتراجع في عام 2025 إلى 193 إصابة مقابل 25 إصابة، وصولًا إلى عام 2026 الذي سجل حتى الآن 48 إصابة إسرائيلية مقابل إصابتين فقط بين الأجانب، بما يعكس منحنى تراجع تدريجي في هذا المؤشر.

وفي موازاة ذلك، تُظهر بيانات الاعتقالات اتجاهًا تصاعديًا واضحًا في أدوات السيطرة الميدانية، حيث سجلت بعض الأشهر ذروة بلغت 343 حالة اعتقال شهريًا، بينما سجل شهر أيار/مايو 2026 وحده 237 حالة اعتقال، مع تراجع شكلي طفيف نسبته 1% فقط مقارنةً بشهر نيسان/أبريل الذي سبقه. وبذلك، يرتفع العدد التراكمي للأسرى الفلسطينيين منذ بداية موجة التصعيد إلى نحو 9000 أسيرًا، في سياق حملات مداهمة واعتقال ليلية ونهارية متواصلة.

ويعد الاعتقال جزءًا بنيويًا من استراتيجية الاحتلال في إدارة المجال السكاني الفلسطيني، بما يشمل تفكيك البنى الاجتماعية والتنظيمية واستنزاف القدرة المجتمعية على الفعل والاستمرارية. ورغم ذلك، لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين ارتفاع الاعتقالات وتراجع الخسائر الإسرائيلية، إلا أن التزامن الزمني بين المؤشرين يمنح هذه الفرضية وزنًا تفسيريًا في بعض القراءات الإسرائيلية نفسها.

وفي السياق ذاته، تُظهر بيانات “إحباط العمليات” المزعومة أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بلغت ذروة نشاطها الاستخباري في منتصف عام 2025، حيث سُجل ما يقارب 234 عملية محبطة خلال شهر واحد، قبل أن ينخفض العدد إلى 49 عملية مع مطلع عام 2026. ويبدو هذا الانخفاض أكثر وضوحًا في القدس، حيث استقرت المؤشرات بين صفر وثماني عمليات محبطة شهريًا، في ظل إجراءات عزل مكاني مشددة وجدار الفصل.

ويُفسَّر هذا التراجع، وفق التقديرات الإسرائيلية، ليس باعتباره ضعفًا في الأداء الأمني، بل نتيجةً مباشرةً لـ”انخفاض المحاولات الفلسطينية نفسها، بفعل الضغط الميداني المتزايد وحالة الإنهاك الناتجة عن الاعتقالات والاغتيالات المستمرة، وما تخلقه من تفكك في البنى التنظيمية”.

أما على مستوى العمليات الفلسطينية، فتشير البيانات إلى أن الهجمات الشعبية والمنظمة، بما في ذلك إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، وعمليات الطعن، وزرع العبوات، وإطلاق النار، والدهس، حافظت على مستويات مرتفعة خلال عامي 2024 و2025، وتراوحت بين 300 و400 حادث شهريًا، قبل أن تتراجع في مطلع عام 2026 لتستقر بين 245 و282 حادثًا شهريًا. ويُفهم هذا التراجع النسبي ضمن سياق الضغط العسكري والاقتصادي المتصاعد، وليس بوصفه انحسارًا جذريًا في مستوى الاحتكاك، وفق القراءة الإسرائيلية.

وتُظهر البيانات التاريخية أن عمليات إطلاق النار كانت الأكثر تأثيرًا من حيث النتائج القاتلة، إذ سجلت 32 حالة قتل، مقارنةً بعمليات الطعن أو الدهس أو العبوات البدائية التي تراوحت بين خمس وسبع حالات لكل منها. وبناءً على ذلك، فإن أي تراجع في هذا النوع تحديدًا ينعكس بصورة مباشرة على انخفاض عدد القتلى الإسرائيليين، وهو ما يفسر جانبًا من الانخفاض المسجل في عام 2026.

وتشخص معطيات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التحول الأخطر في تصاعد دور المستوطنين بوصفهم فاعلًا ميدانيًا مسلحًا. ففي مقابل هذا الانخفاض النسبي في بعض المؤشرات، يظهر العنوان الأبرز لمطلع عام 2026 في التصاعد الحاد لهجمات المستوطنين، التي خرجت، وفق المعطيات، عن نطاقها التقليدي لتتحول إلى نمط عنف أكثر تنظيمًا ودموية.

وتذهب القراءة التحليلية إلى أن هذه العصابات الاستيطانية المسلحة تعمل ضمن بيئة حماية سياسية وأمنية توفرها أطراف رسمية في حكومة الاحتلال، إلى جانب غطاء ميداني من الجيش في مناطق الاحتكاك، بما يسمح بتداخل وظيفي بين الفعل الاستيطاني والفعل العسكري.

اعتداءات المستوطنين لا تُقرأ إلا كجزء من نمط أوسع لإعادة تشكيل السيطرة على الأرض، يقوم على الضغط المتواصل على التجمعات الفلسطينية بهدف التهجير، خصوصًا في مناطق مثل حوارة وترمسعيا ومسافر يطا والمغير وغيرها، حيث تتكرر الهجمات بما يؤدي إلى سقوط ضحايا بشكل متصاعد.

وبذلك، يصبح مطلع عام 2026 نقطةً مفصليةً في مسار الصراع، ليس بسبب ارتفاع أو انخفاض رقم بعينه، بل نتيجة إعادة هندسة شاملة لأدوات العنف نفسها وآليات إنتاجه وتوزيعه بين الفاعلين المختلفين على الأرض. (عن: الترا فلسطين)

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى