رانية عقل: مَجَسُّ المَيْدَان: سيرةُ الإبرةِ والصخرِ والتراب!

حين بلغت الخمسين، لم أسأل نفسي ماذا أنجزت، بل سألت: هل تركت الأماكن التي مررت بها أكثر حياةً مما وجدتها؟ وكان هذا السؤال كافيًا لأفهم أن الطريق، على كل ما حمله من وعورة، كان يستحق أن يُسلك. ولم يكن هذا السؤال وليد الخمسين، بل كان يرافقني منذ وقت لم أكن أعرف فيه حتى أنني أبحث عنه.
لم تكن طفولتي تشبه كثيرًا ما كان متوقعًا من بنات جيلي. بينما كانت أخريات يبحثن عن العطور أو الملابس الجديدة، كنت أرتدي إفرهول جينز، أقف وسط الغبار، وأمسك جلخًا أكبر من يدي بقليل لأتعلم كيف أقطع الصخر. لم تكن تشغلني الرفاهيات الصغيرة، بل كنت أفكر كيف أشتري جلخًا جديدًا، وكيف أبدل الفحمات وحدي، وكيف يمكن لحجر عنيد أن يستسلم قليلًا بين يدي.
لم يأتِ هذا الميل من فراغ. حين خسر والدي كثيرًا مما كان يملكه، ولم يعد ذلك المقاول الذي عرفه الناس، لم أحصل على الرفاهية التي عرفها إخوتي الأكبر مني، لكنني حصلت على شيء أثمن؛ حصلت على والدي نفسه. اشترى لابنته أول جلخ، ووقف يحمي شغفها كما لو أن الأمر طبيعي تمامًا. وكانت أمي تقف إلى جانبه، فكبرت وأنا أشعر أن ما أفعله طبيعي، لا استثناء فيه، حتى بدا المستحيل أمرًا عاديًا.
كبرت وأنا أحمل شيئًا لم يكن مألوفًا لبنت عربية في جيلي. رافقني الأصدقاء الذكور منذ الطفولة، وكان وجودهم جزءًا طبيعيًا من كسر القوالب الاجتماعية التي أحاطت ببنات جيلي. لم أشعر يومًا أنني أدخل عالمًا ليس لي؛ كنت أتحرك بين ورشات النحت، والمشاغل، والمهرجانات، كما لو أنني أنتمي إليها منذ البداية. وحتى اليوم، ما زلت أشعر أن رائحة الغبار أقرب إليّ من رائحة العطور.
ولأن الغبار لم يفارقني، لا أعرف متى أصبحت فنانة. لم تكن هناك لحظة فاصلة، بل كان الأمر أشبه بنهر بدأ يجري بهدوء ولم يتوقف. وفي معرضي الأول، الذي أقيم في عيد الأم، كانت الأعمال مشبعة بوجع الانتفاضة الأولى؛ يومها أدركت أنني لا أعرف كيف أصنع عملًا فنيًا لا يحمل معه سؤال التراب.
ومع أحداث أكتوبر 2000، حين أُغلق شارع 65، لم تعد الحجارة بالنسبة إليّ مجرد مادة أنحتها؛ صارت تحمل أصواتًا وذاكرة وأسئلة. أعادتني تلك الحجارة إلى طفولتي، حين كنت أرافق والدي إلى البحر الميت والأغوار. ما زلت أذكر الطريق أكثر مما أذكر الوصول، وأذكر نظراتي الطويلة من نافذة السيارة، والأسئلة التي كانت تكبر في داخلي بصمت. كيف يدرس طفل تحت شجرة؟ وكيف تعيش عائلات كاملة فوق تراب حار بين بيوت من صفيح، بينما يقف على مسافة قصيرة عالم آخر مختلف تمامًا؟
من تلك الأسئلة بدأت علاقتي بالأرض. لا أذكر متى بدأت أجمع التراب، لكنني وجدت نفسي أعود به إلى البيت؛ قليل من هنا، وقليل من هناك، حتى صار لدي ستة أو سبعة ألوان من تربة هذه البلاد. لم أصنعها، بل اكتفيت بجمعها، ثم بدأت أطبع الوجوه داخلها، وأطرز بعضها بالحناء، والقهوة، والألوان الطبيعية. لم أكن أبحث عن أجوبة، بل عن سؤال ظل يرافقني طويلًا: من صاحب الأرض، ومن العابر؟
لاحقًا قررت أن أربي النحل. لم تكن التجربة كما تخيلتها؛ كان النحل يمرض، ويضل طريقه، وأحيانًا لا يعود. بحثت عن تفسير؛ مبيدات، مرض، تشويش… لكن ما بقي في ذاكرتي لم يكن السبب، بل الخلايا الفارغة؛ خلايا لم يعد إليها أصحابها. حملت أقراص العسل المهجورة، وبدأت أطرز عليها. كان الخيط يكمل ما عجزت الكلمات عن قوله، وكانت كل غرزة محاولة للإمساك بأثر الغياب، لا بوصفه نهاية، بل بوصفه سؤالًا جديدًا عن الفقد، والانتماء، والعودة.
في تلك السنوات اتسعت رحلتي، ووصلت إلى باريس، حيث توليت إدارة مشاريع فنية في البلاد وفي مناطق السلطة الفلسطينية. كانت مسؤولية كبيرة، لكنها لم تُبعدني عن السؤال الذي رافقني منذ البدايات. كنت أتنقل بين المعارض واللقاءات، بينما ظل قلبي معلقًا بطائر صغير اسمه السنونو. سبع سنوات كاملة رافقني السنونو في أعمالي. لم يكن مجرد طائر، بل لغة بصرية اختزلت بالنسبة إليّ معنى العودة، وحق الإنسان في أن يجد سماءه، وأن يعود إلى عشه مهما ابتعد.
ومن رماد السخام في الناصرة وبيت لحم، ومن معرض «السخام على أشده»، ولد معرض «يعود للمرسل». جاء محملًا بحكايات الانتظار، والحدود، والرسائل التي كنا نتخيلها داخل زجاجات تُلقى في البحر، وبسنوات طويلة من الغياب. وفي إحدى زواياه كان «أبو صابر» حاضرًا؛ الحمار الذي يعرف طريق العودة مهما ابتعد، وكأنه يذكرنا بأن بعض الكائنات لا تنسى البيت، حتى حين يحاول العالم كله أن يضللها.
وربما لهذا ظل سؤال البيت يرافقني خارج الأعمال الفنية أيضًا. ظهر في تفاصيل الحياة نفسها، وفي تجربتي مع الزواج في المغرب، حين استغرق تثبيت زواجي شهرًا ونصفًا بين المحاكم والأوراق. يومها أدركت أن الهوية ليست فكرة مجردة، بل شيء يرافق الإنسان حتى في أبسط تفاصيل حياته.
لكن الامتحان الأقسى جاء حين وصل أمر هدم إلى بيتي. ورقة واحدة كانت كافية لتجعل الجدران ترتجف، وتجعلني أنظر إلى المكان بعين مختلفة. بدأت أقرأ الخرائط، وأبحث في قوانين التخطيط، وأحاول أن أفهم كيف تُرسم حدود القرى العربية، حتى وقفت أمام عبارة واحدة اختصرت المشهد كله: «ליד אבל בחוץ» (قريب… لكن في الخارج). كانت العبارة تقول كل شيء؛ المستوطنة قابلة للتوسع، أما القرية العربية الملاصقة لها فتبقى خارج الخطة، وخارج الاعتراف. أخذت تلك الخرائط، وأحطتها بالتطريز الفلسطيني، وفي قلب العمل وضعت أمر الهدم نفسه. لم يكن التطريز تزيينًا للورق، بل محاولة للدفاع عن البيت، وللقول إن الخرائط ليست الكلمة الأخيرة، وإن اليد التي تخيط تستطيع أيضًا أن تقاوم.
وظننت، لوهلة، أن معركة الخرائط كانت آخر ما سيختبر معنى البيت والهوية. لكن الحرب الأخيرة جاءت بكل وجعها، ومن رحمها ولد مشروع «إبرة في جلد الذاكرة». لم يكن المشروع معرضًا فنيًا فحسب، بل محاولة لفهم ما يحدث حين تصبح الذاكرة نفسها ساحة معركة. كانت الإبرة تغرس نفسها في النسيج، لا لتخيط الجرح، بل كي تمنعه من الاختفاء. وكل غرزة كانت شهادة على أن الذاكرة لا تُحفظ بالكلمات وحدها، بل بما نتركه فيها من أثر.
وحين أنظر اليوم إلى أعمالي، أرى أن الخيط الذي جمعها لم يكن الصخر، والتراب، والخريطة، والإبرة، بل الإنسان. كنت أبحث، في كل مرة، عن الطريقة التي يمكن للفن أن يقترب بها من حياة الناس، لا أن يكتفي بمراقبتها من بعيد.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة. رممت «دار سيدي» بيدي. كنت أستيقظ قبل الفجر، أخلط المواد، أصلح الجدران، وأعيد الحياة إلى مكان كنت أشعر أنني أبنيه لنفسي بقدر ما أبنيه للآخرين. لم يكن مشروع ترميم فحسب، بل محاولة لبناء بيت يتسع للناس، وكان الفن لغتها. ثم كبرت الفكرة، وصارت «عين الغربال» مساحة يلتقي فيها الفن بالطفولة، والإبداع بالمجتمع، والناس بالمكان. هناك أدركت أن المكان، حين يُفتح للناس، يصبح شريكًا في صناعة الأثر.
ومع السنوات، والعمل المجتمعي، اتسعت رؤيتي أكثر. حضرت مؤتمرات بيئية، والتقيت بأشخاص من ثقافات وتجارب مختلفة، لكن سؤالًا واحدًا ظل يعود إليّ كل مرة: أين الإنسان في كل هذا؟ شيئًا فشيئًا أدركت أن الأدوات وحدها لا تكفي، كما أن المعرفة وحدها لا تكفي. ما يصنع الفرق هو الإنسان حين يشعر أن له مكانًا، وأن صوته مسموع، وأنه قادر على أن يغيّر ما حوله.
من هنا بدأت رحلتي مع القيادة المجتمعية والعمل البيئي. لم أعد أنظر إلى الحديقة على أنها مساحة خضراء فحسب، بل مكان يلتقي فيه الناس. ولم تعد المبادرة مشروعًا مؤقتًا، بل وسيلة ليكتشف الإنسان قدرته على الفعل. وحتى الشجرة لم تعد مجرد شجرة؛ أصبحت شاهدًا على علاقة جديدة بين الإنسان وأرضه. ومع كل مبادرة، وكل لقاء، وكل طفل غرس شجرة، وكل معلمة قادت مشروعًا، كنت أشعر أن الفن لم يغادرني، بل غيّر لغته فقط. صار يظهر في طريقة الإصغاء، وفي بناء الشراكات، وفي تحويل الفكرة الصغيرة إلى أثر يمتد في المكان. عندها فهمت أن الاستثمار الحقيقي ليس في المشروع، بل في الإنسان؛ فالإنسان، حين يجد مكانه، يبدأ بإعادة بناء ما حوله.
ولو سألني أحد اليوم: من أين جاءت القدرة على مواصلة هذا الطريق؟ فلن أبحث عن الجواب في الصخر، ولا في المعارض، ولا في المبادرات وحدها. سألتفت إلى البيت. إلى سعيد، الذي حمل الطريق معي، فصار أثقله أخف. وإلى سلمى وعمر. منذ جاءا إلى حياتي، لم أعد أفكر في الأثر الذي سأتركه خلفي، بل في العالم الذي سأتركه لهما. وربما لهذا لم أشعر يومًا أن المقاومة تقتصر على السلاح. كانت، بالنسبة إليّ، أن نحمي ذاكرة، ونزرع شجرة، ونفتح بابًا، ونترك لأولادنا عالمًا أكثر حياةً مما وجدناه.
اليوم، وأنا أقف على عتبة الخمسين، يعود إليّ السؤال نفسه: هل تركت الأماكن التي مررت بها أكثر حياةً مما وجدتها؟
أبتسم.. وأدرك أن الطريق، رغم كل وعورته، كان يستحق أن يُسلك.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى