نادية كيوان: على حافةِ الموقف..!

ليس كل ما نظنه يسكن القلوب… يسكنها حقًا.
أحيانًا نمضي سنواتٍ ونحن ننسج صورةً دافئة عن مكانتنا في حياة الآخرين، لا لأنهم وعدونا بها، بل لأن قلوبنا كانت كريمةً بما يكفي لتُحسن الظن.
نُفسّر صمتهم عذرًا، وانشغالهم ظرفًا، وغيابهم صدفةً، ونُقنع أرواحنا بأن المحبة لا تُقاس بما نراه، بل بما نأمل أن يكون.
ثم…
يأتي موقفٌ واحد، هادئٌ في هيئته، صاخبٌ في أثره، لا يرفع صوته، لكنه يُسقط جدارًا كاملًا من الأوهام.
موقفٌ لا يحتاج إلى شرح، لأن الحقيقة حين تقرر أن تتكلم، لا تستعين بالكلمات.
في تلك اللحظة، لا يؤلمنا ما فعله الآخر بقدر ما يؤلمنا ما اكتشفناه نحن. نكتشف أن بعض القلوب التي حسبناها وطنًا، لم تكن سوى محطة عابرة، وأن الأماكن التي منحناها لأشخاصٍ في أعماقنا، لم يجدوا هم ضرورةً لأن يخصصوا لنا مثلها في أرواحهم.
ما أقسى أن يكتشف الإنسان أنه كان يعيش داخل قصةٍ كتب فصولها وحده، بينما كان الطرف الآخر يقرأها كخبرٍ عابر لا يترك في ذاكرته أثرًا.
لكن الحياة، برحمتها الخفية، لا تكشف لنا الحقائق لتُعذبنا، بل لتُحررنا.
فالأوهام، مهما كانت جميلة، تبقى قيودًا ناعمة.
والحقيقة، مهما كانت موجعة، تظل بابًا يُفتح نحو سلامٍ أكثر صدقًا.
فما أثقل أن يحمل الإنسان عمره وهو يُطارد مكانةً لم تكن موجودة إلا في خياله، وما أجمل أن يتحرر من الانتظار، ولو كان ثمن الحرية دمعةً صامتة.
المواقف لا تُغيّر الناس… بل تُزيح الستار عنهم.
هي لا تخلق الوفاء، ولا تصنع الجفاء، وإنما تُظهر ما كان ساكنًا في الأعماق. لذلك كان الصادقون مطمئنين دائمًا؛ لأن قلوبهم لا تحتاج إلى مناسبةٍ لتُحب، ولا إلى ظرفٍ لتبقى، ولا إلى جمهورٍ ليشهد على إخلاصها.
أما الذين يُجيدون الكلام أكثر من الحضور، فتفضحهم اللحظة التي يصبح فيها الفعل أغلى من ألف وعد.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان بعد كل خيبة، أن قلبه لم يُخلق ليكون ساحةً مفتوحة لكل عابر، بل بيتًا لا يليق أن يسكنه إلا من يعرف كيف يحافظ على دفئه.
وحين تنضج الروح، لا تعود تطلب من الجميع أن يُحبوها، ولا تُرهق نفسها في تفسير الغياب، ولا تُطارد من اختار الابتعاد. تكتفي بأن تبتسم للحقيقة، مهما كانت مرة، وتمضي بخفة من أدرك أن بعض الخسارات لم تكن خسارةً للأشخاص… بل نجاةً من وهمهم.
لهذا، لا تحزن إن أنهى موقفٌ كل ما كنت تظنه.
فبعض المواقف لا تأتي لتكسر القلب، بل لتعيده إلى صاحبه.
وبعض النهايات ليست نهاية علاقة، بل بداية مصالحة مع الذات.
ومن رحمة الله بالإنسان، أن يُسقط عنه أوهامه قبل أن يُسقط عمره كله وهو يعبد صورةً لم تكن موجودة إلا في خياله.
ويبقى اليقين أجمل ما يصل إليه القلب بعد عناء الطريق…
أن الذين يحبونك حقًا، لا تحتاج إلى البحث عن مكانك في قلوبهم، لأنك تشعر به دون سؤال، وتراه في تفاصيلهم دون طلب، وتلمسه في مواقفهم قبل كلماتهم.
فالكلمات قد تُزهر لساعة…
أما المواقف، فهي الشجرة التي تعرف بها حقيقة الفصول.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى