البروفيسور إبراهيم طه: الكبسولة الرابعة والتسعون (94).. مثل تجارة ابن بلدنا بالبامية!

هويّتنا السياسيّة العامّة، بصرف النظر عن الانتماءات الدينيّة والطائفيّة والفكريّة والجندريّة، هي ثلاثيّة: قوميّة عربيّة ووطنيّة فلسطينيّة ومدنيّة إسرائيليّة.
وإسرائيل الرسميّة بأحزابها الصهيونيّة كلّها تشترط، بحدّة وصلف وتهديد، تحسين المركّب المدنيّ الحياتيّ الكارثيّ “بتجميد” المركّبين القوميّ والفلسطينيّ أو تعطيلهما. معنى ذلك أنّها تبيعنا حقوقًا مدنيّة مشروعة بهويّتنا العربيّة الفلسطينيّة، التي خلقنا ربّنا عليها.
هذه الظروف المدنيّة الكارثيّة، التي خلقتها هي بوعيٍ محسوب، هي آليّة استراتيجيّة لمقايضة مستمرّة، تفرزها عقليّة سياسيّة تجاريّة. والتجارة شطارة.
يعني تريد منّا الثلثين مقابل ثلث مغموس بذلّ وغير مضمون، والتجربة تثبت ذلك.. أقول قولي هذا بعيدًا عن أيّ حسابات أو اعتبارات حزبيّة، فالمسألة عندي مصيريّة.
من ينصت إلى الأحزاب الصهيونيّة يدرك أنّها تقرف منّا.. لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب حتّى لو بعناها حِمِل بامية بكماله وتمامه مقابل صحن بامية. وتظلّ تعاملنا، بعيد السامعين، مثل واحد “يطبّ على دابّة ويرفع ذيلها بعودة”!.
وهذا الكلام يحتاج إلى تمثيل. بحثتُ في ذاكرتي ولم أجد أدلّ من حكاية ابن بلدنا وتجارته بالبامية في سوق عكّا.. كانت البامية، إلى جانب التين والعنب، من المزروعات المركزيّة المعتمدة في كابول. يزرعها الناس في الربعان والحواكير والسهول، وبين كروم التين والزيتون. ولكثرتها كانت تفيض عن حاجة الاستهلاك المحلّيّ. فكان عمّي الجميل، رحمه الله، يجمع بعضها ويُسوّقه بالجملة للشركات. والباقي كان الفلّاحون يبيعونه بالمفرّق في شفاعمرو وعكّا والناصرة..
أنا كنت أبيع في عكّا. أنزل في الباص مع قُرطلّتين وأقف أوّل السوق القديم.. لكن حكاية ابن بلدنا في تجارة البامية تختلف!
حمّل الرجل حِمِل بامية على حماره، واتّجه من الفجر إلى عكّا ليبيعه في السوق. وقف الرجل أوّل السوق ومعه ميزان شقلة..
قبل الظهر، بقليل باع الرجل آخر قرن.. كان قد تعب والدنيا نار في تمّوز والمشوار بعيد ومتعب فعطش وجاع. ذهب إلى المطعم ليأكل. سأل العَشّي عن لقمة يأكلها فأحضر له صحن بامية مع بندورة. والرجل يحبّ البامية، يأكلها كلّ يوم مرّة مع بصل ومرّة مع بندورة.
سحب الرجل صحن البامية، حامدًا شاكرًا على النعمة. وعندما سأل عن الحساب جمد. تعطّل. انعقد لسانه. باع الرجل حِمِل بامية ليأكل بثمنه صحن بامية مع بندورة عند عيسى!
ركب حماره، ولكزه، وصرخ به من قِحف رأسه: “حااااااا!!!”.. وحين وصل البيت، لاقته زوجته هاشّة باشّة مستبشرة، وقد حضّرت له أكلته المفضّلة صحن بامية، مع بندورة وقرن فلفل حرّيف ورأس بصل بلديّ ورغيف خبز طابون.
فقال لها: “أنا تغدّيت بعكّا.. بس الحمار بعدو بلا غدا.. حطّي له صحن البامية”..!!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



