د. ايناس محاجنة: حين يفسد النظام… من يملك شجاعة إصلاحه؟

** عمر بن عبد العزيز نموذجًا: قراءة إدارية معاصرة في القيادة والحوكمة ومواجهة المحسوبيات ومراكز النفوذ

لم يكن عمر بن عبد العزيز خليفةً عُرف بالزهد والعدل فحسب, بل يمكن النظر إليه، بلغة الإدارة المعاصرة، بوصفه نموذجًا استثنائيًا لـ “الرئيس التنفيذي لإعادة الهيكلة Turnaround CEO ”
في عالم الأعمال اليوم، حين تدخل مؤسسة كبرى في أزمة إدارية أو مالية، قد يُستعان بقائد متخصص في إعادة الهيكلة لإنقاذها, فيعيد ترتيب الأولويات، ويغيّر القيادات، ويصحح الأنظمة والثقافة المؤسسية، وهي عملية قد تستغرق سنوات.
أما عمر بن عبد العزيز، فقد تولّى دولة مترامية الأطراف، مثقلة بتراكمات إدارية، ومحسوبيات، وامتيازات، ومراكز نفوذ مستفيدة من الوضع القائم. وخلال فترة حكم قصيرة، شرع في تغيير المنظومة من داخلها.
بدأ من مفاصل الخلل نفسها:
أولًا: بدأ من رأس الهرم.
واجه الخلل في القيادة، واتخذ قرارات حاسمة تجاه عدد من الولاة والمسؤولين، ولم يجعل القرابة أو النفوذ حصانةً أمام المساءلة.
ثانيًا: الحوكمة والامتثال – Governance & Compliance.
واجه الامتيازات غير المستحقة، وردّ المظالم، وسعى إلى ضبط إدارة المال والسلطة بقواعد أكثر عدلًا وانضباطًا.
ثالثًا: التركيز على المستفيد – Customer-Centricity.
أعاد توجيه الاهتمام نحو الداخل: أحوال الناس، والعدالة، وإصلاح الإدارة، بدل أن يكون اتساع النفوذ هو المعيار الوحيد لقوة الدولة.
لكن القيمة الإدارية الأعمق في هذه التجربة لا تكمن في قرارات منفردة، بل في منطق الإصلاح نفسه.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من مطالبة الناس بأن يصبحوا أفضل، بينما تبقى القيادات بمنأى عن المساءلة. حين تصبح القيادة نفسها جزءًا من المشكلة، لا تكفي الخطط الاستراتيجية ولا الشعارات ولا الدورات التدريبية, لأن الخلل يكون في رأس المنظومة.
لا يمكن بناء ثقافة مؤسسية جديدة بقيادات تحرس الثقافة القديمة.
وهنا تظهر أهمية “الحوكمة “Governance فالمؤسسة القوية لا تعتمد على صلاح الأشخاص وحده، وإنما تبني نظامًا يحدّ من إساءة استخدام السلطة، ويجعل المساءلة قاعدة لا استثناءً.
فالقيادات تتغير، والأشخاص يرحلون، لكن النظام الجيد يجب أن يبقى , وهذا يقود إلى واحدة من أخطر مشكلات المؤسسات: المحسوبية.
حين تصبح القرابة أو العلاقات أو النفوذ معيارًا للتعيين والترقية والحماية، تتراجع الكفاءة، ويضعف الشعور بالعدالة، وتتحول المؤسسة تدريجيًا من منظومة تخدم أهدافها إلى شبكة مصالح تحمي نفسها.
وهنا لا تعود المشكلة مشكلة شخص فاسد أو مدير ضعيف, بل تصبح مشكلة نظام يسمح للخلل بأن يستمر.
لذلك، فإن القائد الحقيقي لا يقضي سنوات في معالجة النتائج بينما يترك الأسباب تعمل كل يوم. بل يعيد النظر في الصلاحيات، والسياسات، وآليات الرقابة، وطريقة اتخاذ القرار، ومعايير اختيار القيادات ومحاسبتها.
وهنا يظهر أيضًا الفرق بين المدير الذي يريد الحفاظ على موقعه، والقائد الذي يتحمل مسؤولية موقعه.
وهذا هو جوهر “القرارات الصعبة ” Hard Things في القيادة.
فكل منظومة تتراكم فيها المصالح والمحسوبيات ومراكز النفوذ ستنتج، بمرور الوقت، أشخاصًا يستفيدون من بقاء الوضع كما هو. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي سيواجه مقاومة بالضرورة, لأن التغيير لا يهدد الأخطاء فقط، بل يهدد أيضًا مصالح من استفادوا منها.
والدرس للقادة والمسؤولين اليوم؟
التغيير الجذري لا يبدأ بكثرة الخطط والاجتماعات والاستشارات المكلفة، ولا بتحسين الصورة الخارجية للمؤسسة بينما يبقى الخلل في داخلها.
إنه يبدأ بقائد يرى المشكلة كما هي، ويمتلك شجاعة اتخاذ “القرارات الصعبة “Hard Things ، ومواجهة الفساد والمحسوبيات ومراكز النفوذ، وبناء نظام يجعل الكفاءة والمساءلة والعدالة فوق الأشخاص والمصالح.
فالمؤسسة التي تحتاج دائمًا إلى «شخص جيد» حتى تعمل بصورة صحيحة، هي مؤسسة لم تبنِ نظامًا جيدًا بعد، لأن بعض المنظومات لا ينقصها مزيد من الخطط والاستراتيجيات، بل ينقصها قائد يملك الشجاعة لإصلاحها من الداخل.
فكم مؤسسة تحتاج فعلًا إلى “رئيس تنفيذي لإعادة الهيكلة “Turnaround CEO يعيد بناءها من الداخل، بدل أن تنفق كل طاقتها على تحسين صورتها من الخارج؟

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى