ماس وتد: قبل أن تطلبوا من أطفالكم التفوق.. اسألوا ماذا أكلوا صباحًا؟

** وجبة الإفطار ليست تفصيلًا صغيرًا في اليوم المدرسي… إنها أول استثمار يومي في صحة أبنائنا وقدرتهم على التعلّم
في كل صباح مدرسي يتكرر المشهد نفسه في آلاف البيوت: أين الحقيبة؟ هل أنهيت واجباتك؟ لا تنسَ زجاجة الماء! أسرع.. الحافلة وصلت!
وفي وسط هذا السباق اليومي، قد يخرج الطفل من المنزل بزي مرتب، وحقيبة كاملة، وواجبات جاهزة… لكنه يخرج دون إفطار.
ثم نطالبه أن يجلس ساعات في الصف، أن ينتبه، أن يشارك، أن يحفظ، أن يحلّ، وأن يعود إلينا بنتائج ممتازة.
وأنا هنا أسأل الأهل دائمًا: هل جهزنا أبناءنا للمدرسة فعلًا… أم جهزنا حقائبهم فقط؟
بعد أكثر من عشرين عامًا من عملي في التغذية والتثقيف الصحي مع الأطفال والأسر والمدارس، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن بناء صحة الطفل لا يبدأ بالحمية ولا بالميزان، بل بعادات صغيرة جدًا تتكرر داخل البيت. وواحدة من أهم هذه العادات هي: كيف يبدأ الطفل صباحه؟
الإفطار ليس رفاهية
بعد ساعات النوم الطويلة، يبدأ الطفل يومًا يحتاج فيه إلى التركيز والحركة والتفاعل والتعلّم. لذلك فإن تناول إفطار متوازن يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من تهيئته لهذا اليوم.
لكن عندما أتحدث عن الإفطار، لا أقصد مائدة كبيرة ولا وصفات معقدة تحتاج إلى ساعة من التحضير.
الإفطار الصحي قد يكون بسيطًا جدًا:
سندويش بيض أو لبنة أو جبن مع بعض الخضار، شوفان مع الفاكهة، أو أي وجبة منزلية متوازنة تجمع بين مصدر جيد للبروتين ومصدر للطاقة، مع خضار أو فاكهة وماء. المهم ليس أن يكون الإفطار فاخرًا، بل أن يكون ذكيًا.
المشكلة ليست فقط أن بعض أطفالنا لا يتناولون الإفطار.. المشكلة أحيانًا في ما نسمّيه إفطارًا: قطعة حلوى سريعة، مشروب محلى، أو منتج شديد السكر قد يكون سهلًا في صباح مزدحم، لكنه لا ينبغي أن يصبح القاعدة اليومية.
وهنا تقع علينا نحن الكبار مسؤولية الاختيار.. رفوف المتاجر مليئة بمنتجات تخاطب الطفل بالألوان والشخصيات والعبارات الجذابة، لكن واجبنا كأهل ألا نترك الإعلان يقرر ماذا يأكل أبناؤنا.
لا تدعوا المغريات تختار عن أطفالكم… علّموهم هم كيف يختارون.
هذه المهارة أهم بكثير من منع قطعة شوكولاتة أو السماح بها.
“ -ابني لا يأكل في الصباح”
أعرف هذه الجملة جيدًا، وأسمعها كثيرًا من الأمهات والآباء. وجوابي ليس: أجبروا الطفل على الأكل. على العكس: لا تحولوا مائدة الإفطار إلى معركة يومية.
إذا كان الطفل لا يستطيع تناول وجبة كاملة فور استيقاظه، ابدؤوا بكمية صغيرة. أعطوه وقتًا كافيًا بعد الاستيقاظ، وحضّروا له وجبة مدرسية مناسبة يمكنه تناولها لاحقًا.
أشركوه في القرار.. وبدل أن نسأله: “ماذا تريد أن تأكل؟” ونفتح أمامه عشرات الخيارات، يمكن أن نقول: بيض أم لبنة؟
تفاحة أم موزة؟ هذا السندويش أم ذاك؟
نحن نضع الإطار الصحي، وهو يختار داخله. هكذا نبني الاستقلالية دون أن نتخلى عن دورنا كأهل.
لا تجعلوا الامر مسابقة بين الأمهات: في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت حتى علبة الطعام المدرسية قابلة للمقارنة.
علب مرتبة بشكل مذهل، أطعمة مقطعة بأشكال جميلة، عشرات الأصناف والألوان.
كل هذا جميل إن كان يناسب الأسرة والطفل، لكنه ليس معيارًا للأم الناجحة ولا للغذاء الصحي. صندوق الطعام الأفضل ليس الأجمل في الصورة، بل الأنسب للطفل الذي سيأكله.. ضعوا كمية يستطيع تناولها، وفاكهة أو خضارًا يحبها، وطعامًا يعرفه ويتقبله، وماءً.
ولا تجعلوا عودة قطعة طعام إلى المنزل سببًا للتوبيخ.
نحن لا نريد أن يتعلم الطفل أن يأكل لأنه خائف من غضب أمه، بل أن يتعلم أن يستمع إلى جسده ويختار ما يغذّيه. وأرجوكم: لا تربطوا الطعام بالوزن أمام أطفالكم.. هذه نقطة أعتبرها شديدة الأهمية.
لا تقولوا لطفل صغير: “لا تأكل هذا حتى لا تسمن”، ولا تجعلوا الميزان هو اللغة التي نشرح بها الصحة.
قولوا له: نأكل لنكبر.. نأكل لنقوى.. نأكل لنركز.. نختار طعامنا لأن أجسامنا تستحق أن نعتني بها.
الطفل يحتاج إلى علاقة صحية مع الطعام قبل أن يحتاج إلى معرفة عدد السعرات الحرارية فيه. فالخوف من الطعام ليس صحة، والحرمان ليس تثقيفًا غذائيًا.
قبل صندوق الطعام، انظروا إلى أنفسكم.. هناك حقيقة قد لا تعجبنا دائمًا: أطفالنا يراقبوننا أكثر مما يستمعون إلينا. إذا طلبنا منهم شرب الماء بينما لا يرون الماء في أيدينا، وإذا تحدثنا عن الإفطار بينما نغادر المنزل كل صباح دون أن نتناوله، فستبقى كلماتنا أقل تأثيرًا من سلوكنا.
التثقيف الغذائي لا يبدأ بمحاضرة.. يبدأ عندما يجلس الطفل معنا ويرى كيف نختار.. القدوة هي أول درس تغذية يتلقاه الطفل… حتى قبل أن يعرف معنى كلمة تغذية.
العلامة المدرسية مهمة… لكن هناك ما هو أهم: نريد لأبنائنا أعلى الدرجات، وأفضل المدارس، وأجمل المستقبل. لكنني أتمنى أن نضيف إلى قائمة طموحاتنا شيئًا آخر: أن نربي طفلًا يعرف كيف يحافظ على نفسه.. طفلًا يعرف متى يشرب الماء، وكيف يختار طعامه، ولماذا يحتاج إلى النوم، ولماذا يتحرك، وكيف يستمع إلى جسده ويحترمه، لأننا لن نبقى طوال حياتنا واقفين أمامهم نحضّر لهم صندوق الطعام.
هم سيكبرون، وسيأتي يوم يقفون فيه وحدهم أمام مئات الخيارات. وفي ذلك اليوم، لن يكون السؤال: ماذا وضعت أمي في حقيبتي؟
بل: ماذا علمتني أمي أن أختار؟
لهذا، مع بداية هذا العام الدراسي الجديد، وقبل أن نقول لأطفالنا كل صباح: “ادرسوا جيدًا”!، فلنساعدهم أولًا على أن يبدأوا يومهم جيدًا، فربما يبدأ التفوق من الكتاب.. لكن الصحة، والتركيز، والعادات التي سترافق أبناءنا لسنوات طويلة، تبدأ قبل جرس الحصة الأولى. وتبدأ أحيانًا من مائدة الإفطار.
** ماس وتد أخصائية تغذية سريرية ورائدة في التثقيف الصحي وتغيير نمط الحياة
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



