رانية عقل: الماء لا يعترف بالحدود

في لغتنا اليومية، إذا طلب أحدهم ما نظنه مستحيلًا أو ما لا نريد منحه إياه، نقول له: «روح اشرب من البحر».
لم نتخيل أن العبارة ستفقد استحالتها. فجزء كبير من الماء الذي يملأ أكوابنا ويغلي في أباريق الشاي ويجري في أنابيب بيوتنا، شربناه فعلًا من البحر بعد أن مر بمحطات التحلية وأغشيتها ومضخاتها. ومع اتساع الاعتماد على التحلية، بدا أن البحر تحول إلى خزان لا ينفد وأن التكنولوجيا أخرجتنا نهائيًا من الخوف القديم من الجفاف.
لكن خمسًا من ست محطات تحلية كبرى على ساحل البحر المتوسط توقفت مؤقتًا خلال الأيام الماضية، بعدما ارتفعت عكارة مياه البحر ووصلت إليها كميات كثيفة من الطحالب الدقيقة. لم تجف الحنفيات في معظم البيوت وعادت المحطات إلى العمل، لكن الحادثة كشفت في لحظة واحدة مقدار اعتمادنا على منظومة مركزية يمكن أن تربكها تغيرات تحدث في البحر الذي تدخل مياهه إليها.
المفاجأة ليست أننا نشرب من البحر. المفاجأة أننا صدقنا أن تحويله إلى ماء أعفانا من حماية بقية دورة الماء.
الطحالب ليست جسمًا غريبًا عن البحر. إنها كائنات تعيش فيه طبيعيًا، لكنها قد تتكاثر بصورة استثنائية عندما تجتمع حرارة الماء والضوء مع المغذيات التي تصل من مياه الصرف والأسمدة الزراعية وجريان الأنهار. وتشير التقديرات الأولية إلى أن الكتلة التي وصلت إلى الساحل نشأت قرب دلتا النيل، ثم حملتها تيارات شرق المتوسط شمالًا.
لم يُحسم بعد ما الذي فجّر هذا الازدهار في توقيته وحجمه. لذلك لا يصح أن ننسب الحادثة مباشرة إلى تغير المناخ أو إلى مصدر تلوث واحد. لكن الصورة العلمية الأوسع واضحة. احترار البحار يهيئ ظروفًا أكثر ملاءمة لتكاثر بعض أنواع الطحالب، والتلوث الغني بالمغذيات يمنحها ما تحتاجه للنمو. المناخ يهيئ المسرح، والتلوث يغذيه، والتيارات تحمل النتيجة عبر الحدود.
لهذا لا يبدأ خبر توقف المحطات عند مصافيها. يبدأ أبعد من ذلك، في نهر يستقبل مياه الصرف، وفي سماد تجرفه الأمطار من الحقول، وفي بحر ترتفع حرارته. ما نلقيه في الماء لا يختفي، وما يحدث في دلتا النيل لا يبقى هناك.
ولفهم ذلك لا أحتاج إلى النظر بعيدًا.
قبل عامين، كنت الميسرة والمحاضرة لمجموعة من حراس وادي أبو النار من باقة الغربية وجت. ضمت المجموعة مشاركين ومشاركات من أعمار وتخصصات وتجارب مختلفة. لم تجمعهم مهنة واحدة أو خلفية واحدة، وإنما هم واحد: الوادي.
كان بعضهم يعرفه من الرائحة التي تدخل بيته ليلًا. ففي أيام الصيف الحارة، لا تستطيع عائلات تعيش بمحاذاته فتح نوافذها، لأن الهواء يحمل إليها رائحة المياه العادمة والنفايات ويأتي معه البعوض المتكاثر حول المجرى. ويعرفه آخرون من روائح حرق النفايات على مقربة منه، ومن القلق الذي يبدأ كلما اشتد المطر.
بعد الهطول الغزير، يجرف الوادي ما تراكم في مجراه وعلى ضفافه من مخلفات، حتى قطع الأثاث. تعلق النفايات في نقاط العبور، وترتفع المياه، وتغرق السهول وأحيانًا بعض البيوت. المطر الذي ننتظره ليغسل الأرض يكشف، بدلًا من ذلك، كل ما أخفيناه فيها وتركناه بلا معالجة.
وعلى مقربة من هذا المشهد، بقيت نبعتان متروكتين. كأن المكان فقد حقه في أن يُرى مصدرًا للحياة، ولم نعد نراه إلا مجرى للتلوث.
يأتي وادي أبو النار من جهة الضفة الغربية، ثم يواصل طريقه نحو باقة الغربية وجت. لا يعرف الخطوط التي قسمت الأرض، ولا يتوقف ليسأل أي سلطة تبدأ مسؤوليتها هنا وأي سلطة تنتهي هناك. ما يدخل إليه في أعلاه يصل إلى من يعيشون عند مجراه في الأسفل.
أما المسؤولية عنه فتتوزع بين السلطة الفلسطينية، وهيئة تصريف المياه والأودية، ومجلس جت، وبلدية باقة الغربية، والجهات المرتبطة بشارع ٦، إضافة إلى مؤسسات الصرف والتخطيط والبنية التحتية. لم تكن المشكلة أن لا أحد مسؤول، وإنما أن كل جهة مسؤولة عن جزء ولا أحد يحمل الوادي كاملًا.
بين مؤسسة وأخرى تتراكم المراسلات والخرائط والانتظار، بينما تواصل المياه طريقها بين الحقول والبيوت. كان الوادي يعبر الحدود الإدارية، فيما تتوقف المسؤولية عند كل واحدة منها.
داخل هذه الفجوة، كان يمكن لحراس الوادي أن يبقوا أفرادًا متضررين يشكو كل منهم من الرائحة أو البعوض أو الخوف من الفيضان. لكنهم تحولوا تدريجيًا إلى مجموعة محلية تعرف الوادي وتحمل قصته كاملة. لم تحل المجموعة محل المؤسسات ولم تصلح بيديها شبكات الصرف، لكنها تعلمت كيف تقرأ المكان وتتابع الجهات المختلفة وتحول المعرفة والألم المشترك إلى قوة منظمة.
ساهم عمل المجموعة في تجنيد ميزانية تقارب مليونًا وسبعمئة ألف شيكل لترميم الوادي. لا يعني ذلك أن مشكلاته انتهت، لكنه يثبت أن أهل المكان، عندما يعاملون بوصفهم أصحاب معرفة وشركاء في القرار، يستطيعون تحريك ما علق بين المؤسسات.
ما كشفه وادي أبو النار محليًا كشفته الطحالب على امتداد شرق المتوسط. الطبيعة متصلة، بينما نديرها نحن كأجزاء منفصلة. لا تستطيع بلدة تنظيف مقطعها من الوادي وترك التلوث يتدفق من أعلاه. ولا تستطيع دولة بناء أمانها على البحر، ثم التعامل مع الأنهار والأودية التي تصب فيه كأنها تقع خارج الحساب.
وليست هذه المرة الأولى التي تتوقف فيها محطات التحلية بسبب تغير نوعية مياه البحر. فقد وثق مراقب الدولة أربع عشرة حادثة بين عام ٢٠٠٧ ونهاية عام ٢٠٢٣، توقف فيها الإنتاج بسبب تلوث ميكروبي أو وقود وزيوت أو عكارة شديدة. ما حدث الآن أوسع من سابقاته، لكنه لم يكن خطرًا غير معروف.
المشكلة ليست في وجود التحلية. لقد أصبحت موردًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه، خصوصًا في منطقة يزداد فيها الجفاف ويتراجع انتظام المطر. تبدأ المشكلة عندما يتحول حل واحد إلى وعد كامل، وعندما نضع التكنولوجيا في مكان دورة الماء بدل أن تكون جزءًا منها.
فالتحلية نفسها تحتاج إلى طاقة كبيرة ومتواصلة. وعندما يأتي معظم هذه الطاقة من الغاز والوقود الأحفوري، يصبح للماء المحلّى ثمن من الانبعاثات لا نراه في الكأس. كما تعيد المحطات إلى البحر رجيعًا أعلى ملوحة قد يحمل بقايا المواد المستخدمة في المعالجة. ويصل الماء إلينا بعد أن أزالت أغشية التناضح العكسي معظم معادنه، ثم أعيد إليه الكالسيوم، بينما يبقى المغنيسيوم منخفضًا في الشبكات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التحلية.
وجدت دراسات محلية ارتباطًا بين استهلاك المياه المحلّاة وانخفاض المغنيسيوم في الدم وبعض المخاطر القلبية لدى فئات معينة. لا تثبت هذه الدراسات أن التحلية وحدها تسبب المرض أو الوفاة، لكنها تذكرنا بأن الوفرة ليست عدد الأمتار المكعبة فقط. سلامة الماء تتعلق أيضًا بمصدر طاقته وأثره في البحر وتركيبته عند وصوله إلى أجسادنا.
وتبقى المسألة الأعمق. إلى أي حنفية يصل هذا الماء، ومن يملك القرار بشأنها؟
استطعنا تحويل ماء البحر إلى ماء صالح للشرب، لكن قرى غير معترف بها في النقب ما زالت تفتقر إلى اتصال منزلي منتظم بشبكات الماء والصرف. وفي الضفة الغربية، لا يملك الفلسطيني حرية حفر بئر أو تطوير شبكة أو جمع المطر في أجزاء واسعة من أرضه من دون منظومة تصاريح قد تمنعه من ذلك، بينما تستمر السيطرة على الجزء الأكبر من مصادر المياه المشتركة.
هنا تبلغ مفارقة الحدود ذروتها. تعبر الطحالب من دلتا النيل إلى محطات الساحل بلا تصريح، وتعبر المياه والتلوث في وادي أبو النار من الضفة إلى باقة وجت، بينما قد يُمنع الإنسان من حفر بئر في أرضه أو حفظ المطر الذي يسقط فوقها.
وفي غزة انكشف الوجه الأكثر قسوة لهذه الهشاشة. كان الخزان الساحلي يعاني أصلًا من التملح وتسرب مياه الصرف. ثم تعرضت الآبار والشبكات ومحطات التحلية والضخ والمعالجة إلى دمار واسع، وقيّد نقص الكهرباء والوقود وقطع الغيار قدرة ما بقي منها على العمل. وصل الأمر إلى حصول نصف العائلات، وفق اليونيسف، على أقل من الحد الإنساني الأدنى البالغ ستة لترات للفرد يوميًا للشرب والطهي.
هناك لا تتعطل التكنولوجيا بسبب الطحالب وحدها. قد تتعطل لأن المحطة دمرت، أو لأن الكهرباء قطعت، أو لأن الوقود لم يدخل، أو لأن العامل الذي يصلح الأنبوب لا يستطيع الوصول إليه. عندها لا يكون العطش نتيجة مناخ جاف، وإنما نتيجة قوة تستطيع أن تقرر من يصل إليه الماء ومن يُحرم منه.
لم يبدأ فهم الماء باعتباره حقًا عامًا مع الاتفاقيات الحديثة. ففي السنة النبوية جاء النهي: «لا يُمنع فضل الماء ليُمنع به الكلأ». لم يفصل الحديث بين الماء والعشب الذي ينمو حوله، ولا بين العطش وإمكانية الرعي والبقاء في الأرض. فمن يحتكر الوصول إلى الماء يستطيع أن يحدد من يزرع ومن يرعى ومن يبقى.
وعندما احتاج أهل المدينة إلى بئر رومة، لم يكن الجواب توزيع صدقة مؤقتة من الماء. اشتراها عثمان بن عفان وجعل ماءها متاحًا للناس. تكمن قيمة الواقعة في الانتقال من إغاثة العطشان دلوًا بعد دلو إلى حماية حق الجماعة في الوصول إلى المصدر نفسه.
وهذه المعرفة لم تكن غريبة عن قرانا. فقد بُني البيت الفلسطيني حول علاقة دقيقة بالمطر. سطح يلتقطه، ومزراب يقوده، وبئر جمع يحفظه لأشهر الجفاف. وإلى جانب آبار البيوت، عرفت القرى السقايات والآبار التي ينتفع منها الجيران وعابرو السبيل. لم يكن جمع المطر هواية بيئية، وإنما معرفة بالبقاء وذاكرة ترى في الماء أمانة لا يجوز تبديدها.
لهذا لا يكون بناء الأمان المائي باستبدال محطة التحلية ببئر منزلي، ولا بترك كل أسرة تشتري خزانًا ومرشحًا وفق قدرتها. ما يفعله البيت يمنحه هامشًا للطوارئ، لكنه لا يصنع عدالة. العدالة تحتاج إلى منظومة عامة تحمي البحر والأودية والخزانات الجوفية، وتمنع مياه الصرف والأسمدة من العودة إلينا في صورة تلوث أو طحالب، وتتعامل مع أهل المكان بوصفهم شركاء في المعرفة والقرار.
لقد علمني وادي أبو النار أن الناس لا يحتاجون دائمًا إلى من يتحدث باسمهم. يحتاجون إلى مساحة تجمع معرفتهم، وإلى أدوات تحول شكواهم الفردية إلى فعل منظم، وإلى مؤسسات تعترف بأن من يعيش المشكلة يعرف منها ما لا يظهر في الخرائط.
كان حراس الوادي مختلفين في أعمارهم وتخصصاتهم، لكنهم استطاعوا رؤيته كاملًا في الوقت الذي رأته كل مؤسسة من حدود صلاحيتها فقط.
كنا نقول لمن يطلب المستحيل: «روح اشرب من البحر». ثم شربنا منه فعلًا وظننا أننا انتصرنا على الجفاف. لكن البحر لم يلغ حاجتنا إلى المطر والوادي والخزان الجوفي، ولم يحرر الماء من الطاقة والتلوث والسياسة.
لم يعد السؤال هل نستطيع أن نشرب من البحر. لقد فعلنا.
السؤال هو هل نستطيع أن نحمي دورة الماء كاملة، وأن نبني أمانًا لا يتعطل بتغير البحر، ولا يضيع بين المؤسسات، ولا يُغلق بقرار، ولا يُحرم منه إنسان لأنه ولد على الجهة الأخرى من المحبس؟
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



