قراءة في أعمال الفنانة التشكيلية رانية عقل “نَكْثٌ في الذاكرة” إبداع 2026: حين تعجز الذاكرة عن الخروج من دائرتها تتحول إلى عقدة
بقلم: سعيد العفاسي – صحافي وناقد فني
في أعمال الفنانة التشكيلية رانية عقل الموسوم بـ “نَكْثٌ في الذاكرة” إبداع 2026، لا يبدو الخيط الأحمر مادةً تُضاف إلى الصورة، بقدر ما يبدو أن الصورة نفسها لا تكتمل إلا به. إنه ليس عنصراً زخرفياً يستكمل بناء التكوين، ولا خطاً لونياً يوازن البياض، ولا واسطة تقنية بين الرسم والتطريز؛ هو مع سبق الاصرار والتأويل المادة التي تتكلم، والذاكرة التي تتجسد، والجسد الذي يختزن ما عجز الكلام عن حمله، حيث تتأسس تجربة “نَكْث في الذاكرة” على مفارقة عميقة، الخيط الذي وُجد في الأصل لكي يصل، يصبح أحياناً سبباً في الفصل؛ والذي يفترض أن يحفظ الأثر، يتحول إلى ما يهدده بالمحو؛ والذي يشدّ الأشياء إلى بعضها، ينتهي به الأمر إلى شدّ الأجساد وتقييدها. إن رانية عقل لا تستعمل الخيط لكي ترسم به، وإنما تُخرج الرسم من سلطة الورق، وتدفعه إلى منطقة ملتبسة بين الرسم والحفر والتطريز والتجسيد، فالخيط في أعمالها يرسم، يثير، يشد الانتباه، لكنه لا يفصح عن الحقيقة؛ يرسم أثراً، جرحاً، مساراً، ندبة، شقاً، أو طريقاً لا نعرف نهايته، وحين يخرج من الأذن أو الفم أو العين، فإنه لا يعود خيطاً بالمعنى المادي البسيط، بقدر ما يتحول إلى امتداد للحاسة نفسها، كأن الجسد لم يعد مغلقاً على أعضائه، وكأن الحواس صارت منافذ تتسرب منها الذاكرة أو تتدفق عبرها الأشياء التي حاول الإنسان طويلاً أن يخفيها.

في إحدى صور العمل، يبدو العين في مواجهة المتلقي، فيما تنحدر من محيطها خيوط حمراء طويلة، فالعين، في الثقافة البصرية، موضع الرؤية والشهادة، لكنها في أعمال عقل تصبح موضعاً للسؤال، ماذا يعني أن ترى؟، وهل الرؤية مجرد استقبال للواقع، أم أنها حملٌ لذاكرة لا يمكن التخلص منها؟، الخيط الخارج من العين يمكن قراءته بوصفه دمعةً مادية، لكنه يتجاوز الدمع؛ إنه أثر لما رأته العين وظل عالقاً فيها، وكأن الفنانة تقول إن بعض الصور لا تمرّ عبر العين ثم تنتهي، وإنما تستوطنها، وتعيد تشكيلها من الداخل، والأمر نفسه يحدث حين يتصل الخيط بالفم، فالفم موضع الكلام والصمت، الاعتراف والكتمان، الشهادة والامتناع عنها. حين يخرج الخيط منه، يصبح الكلام نفسه خيطاً؛ متشابكاً، متقطعاً، قابلاً للانقطاع. إن اللسان / اللغة، في هذا السياق، لا تعود وسيلة بريئة للتعبير عن الذاكرة، تصبح جزءاً من صراعها، ما يُقال قد يحفظ، لكنه قد يشوّه أيضاً؛ وما يُروى قد يصون الحكاية، لكنه قد يختزلها، أو يسوغها بحسب موقف القوي، أليس التاريخ يكتبه المنتصر؟، لذلك يبدو الخيط الخارج من الفم كأنه حبل الكلام الموروث، كلامٌ لم يبدأ من صاحبه، لكنه وجد نفسه مضطراً إلى حمله. ومن الأذن يخرج الخيط أيضاً، فتتحول حاسة السمع إلى موضع آخر من مواضع الذاكرة، ما نسمعه لا يختفي بانتهاء الصوت؛ بعض الأصوات تستقر في الجسد، وتصبح جزءاً من تكوينه الخفي، تنقل رانية عقل الذاكرة من مفهومها الذهني المجرد إلى ذاكرة حسية، ذاكرة تُسمع، وتُرى، وتُلمس، وتخرج من الجسد كما يخرج الخيط / الروح من ثقب القماش/ الجسد، هذه الحركة بين الحواس ليست تفصيلاً تشكيلياً عابراً؛ إنها تفكيك لفكرة الجسد بوصفه وحدة مغلقة، الجسد عند رانية عقل نسيج مفتوح، وكل حاسة فيه عقدة من عقد الذاكرة، فإذا انحلّت عقدة، انفتح الجسد على الخارج، وإذا انقطع الخيط، انقطعت معه سلسلة من المعنى. وهنا بالضبط تكتسب كلمة “النَّكْث” ثقلها الدلالي، فالنَّكث هو نقضٌ لما سبق أن أُبرم ووُثّق، وليس فك لعقدة، أن تنكث العهد يعني أن تفك ما تم إحكامه، وأن تنقض ما كان قائماً على الوصل والثبات، ولذلك فإن عنوان “نَكْث في الذاكرة” يضع الذاكرة نفسها موضع المساءلة، ماذا يحدث حين تُنكث الذاكرة؟، ماذا يحدث حين ينفلت الخيط الذي يصل الإنسان بأصله؟، وهل يمكن لهوية أن تستمر بعدما يُفك نسيجها خيطاً خيطاً؟، ولا يصف فعلاً مادياً يحدث للخيط فقط.
تتقدّم كُرات الخيط الأحمر على البياض مثل أجسادٍ ملفوفة، أو كتلٍ جنينية، أو بقايا حكايات لم تجد طريقها إلى الاكتمال، أو خيوط متدلية، ترقع أخاديد الأرض وجراح الإنسان… غير أنّ العين، ما إن تتأمل تفاصيل العمل، حتى تصطدم بما هو أكثر قسوة، قدمان لطفل تخرجان من قلب كرة الخيط، كما لو أنّ الذاكرة نفسها قد ابتلعت الجسد، ثم تركت منه أثراً صغيراً عاجزاً عن الإفلات، فما يبدو للوهلة الأولى كراتٍ متجاورة من الصوف أو الخيط، يتحول، عند القراءة التأويلية، إلى أرشيفٍ ممزّق. كل كرة تختزن احتمال حكاية، وكل التفافة خيط هي أثر زمن، وكل عقدة يمكن أن تكون ذاكرةً انغلقت على نفسها. لا نرى الثوب الفلسطيني كاملاً، ولا نرى المطرّزة وهي تشتغل بإبرةٍ تعرف طريقها في القماش؛ إننا أمام الخيط بعد أن خرج من نظامه، بعد أن فقد القماش الذي كان ينتظم فيه، وبعد أن تحوّل من علامةٍ للهوية إلى مادةٍ للالتفاف والحصر والاختناق. تأتي المفارقة التي يؤسس عليها العمل منطقه العميق، الخيط الذي كان يفترض أن يصل، صار يحاصر؛ والذي كان يحفظ الذاكرة، صار يدفنها؛ والذي كان يربط الإنسان بجذوره، صار يلتف حول جسده ويمنعه من الحركة. في هذه اللوحة، يبدو الخيط الأحمر كأنّه حبلٌ سريّ هائل، غير أنّ الحبل السري الذي يصل الجنين بأمه صار هنا شبكةً تلتف حول الطفل، الطفل لا يولد من الخيط؛ إنّه يكاد يكون أسيره، وهذا التحويل في الوظيفة شديد الأهمية، فالفنانة تقلب العلامة من دلالتها الطبيعية إلى نقيضها، الوصل يتحول إلى حصار، والحماية إلى احتجاز، والذاكرة إلى عبء، والجذر إلى شيء يمكن أن يصبح قيداً حين يُنتزع من تربته ويُترك معلقاً في الفراغ، والقدمان الخارجتان من كرة الخيط تستفزان سؤالاً آخر، أين الرأس؟، لا نرى الوجه، لا نرى العينين، لا نرى ملامح الطفل ولا هويته الفردية، لا يبقى منه سوى القدمين؛ أي ذلك الجزء الذي يدل على إمكانية الحركة، وعلى الطريق، وعلى الذهاب. لكن القدمين هنا لا تسيران، إنهما تخرجان من كتلةٍ حمراء كثيفة ثم تتوقفان عند حافتها، كأنّ الحركة نفسها قد أُجهضت قبل أن تبدأ. وكأنّ الطريق الفلسطيني، بما يحمله من اقتلاع وتهجير ومحو وتقطيع جغرافي وذاكري، قد انتهى إلى جسدٍ يعرف أنه يريد السير، لكنه لا يعرف إلى أين. إنّ القدم في هذا السياق ليست مجرد جزء تشريحي من الجسد؛ إنها علامة على الأرض، فالقدم هي أول ما يلامس التراب، وهي التي تمنح الإنسان إحساسه بالمكان. حين تغيب الأرض، تصبح القدم معلقةً في الفراغ. وحين يُنتزع الإنسان من وطنه، يتحول سؤال “أين أمشي؟” إلى سؤال وجودي، إلى أي أرضٍ تنتمي هذه الخطوة؟.
غير أن المفارقة الأشد إثارة في أعمال “نَكْثٌ في الذاكرة” أن الخيط لا ينفك دائماً؛ أحياناً يحاول أن يصلح ما تمزق، فهو ينزل إلى الأرض ليخيط أخاديدها، ويتسلل إلى الشقوق كما لو أنه إبرة تبحث عن موضع الجرح، تنتقل الفنانة من جسد الإنسان إلى جسد المكان، الأرض نفسها تصبح جسداً، والأخدود يصبح جرحاً، والشجرة تصبح رمزا، والخيط يصبح محاولة للترميم، لكن هل يمكن ترقيع الأرض؟، أو ترميم شجرة زيتون؟، السؤال ليس تقنياً، هو سؤال وجودي، فالخيط قد يغلق الشق بصرياً، لكنه لا يمحو تاريخ التشقق، إنه لا يعيد الأرض إلى حالتها الأولى، يجعل الجرح مرئياً بطريقة أخرى، وهذا هو أحد وجوه قوة العمل، الترميم يأتي اعترافاً للندب، لا إلغاءً لها، فالخيط لا يخفي الجرح؛ إنه يؤطّره، ويمنحه لوناً، ويقول إن ما انكسر لا يعود كما كان، حتى حين نعيد جمع أجزائه، فالخيط، في المعنى البصري والثقافي، هو دائماً فعل وصل، يصل طرفاً بطرف، وقطعةً بأخرى، وذاتاً بماضيها، والإنسان بجماعته، والاسم بمكانه، والجسد بجذره، إنّه خطّ يمتد في الزمن بقدر ما يمتد في المكان، ولذلك فإنّ الخيط الأحمر عند رانية عقل لا يمكن أن يُقرأ منفصلاً عن دلالات الذاكرة الفلسطينية؛ فهو خيط النسب، وخيط الحكاية، وخيط الأرض، وخيط الروح، وخيط الصلة، وخيط الذاكرة، وخيط التطريز الذي حملت عليه النساء الفلسطينيّات علامات المكان والقرية والبيت والرحيل والعودة، لكن الفنانة تفعل شيئاً أكثر مراوغة، تكشف لحظة انقطاعه، ولا تستعمل الخيط لكي تؤكد هذا الاتصال فحسب، ومن الأرض يمتد الخيط إلى شجرة الزيتون، في محاولة لترقيعها، أو شدّها، أو إبقائها صامدة أمام التقلبات، لتبلغ استعارة الخيط ذروتها؛ فالزيتونة ليست مجرد شجرة في المشهد الفلسطيني، الشجرة كائن متجذر، يقف في مواجهة العصف والاقتلاع والزمن، والخيط الأحمر الذي يلتف حولها يحمل معنى مزدوجاً، إنه رباط النجاة ورباط الأسر في آن. فهل الخيط يحمي الشجرة أم يخنقها؟، هذه الازدواجية هي جوهر إبداع “نكث في الذاكرة”، الفنانة رانية عقل لا تمنحنا معنى واحداً مستقراً للخيط، تجعله يتأرجح بين النقيضين، إنه يصل ويقطع، يخيط ويمزق، يحمي ويحاصر، يحفظ ويدفن، وهذه الحركة هي التي تمنح العمل بعده التفكيكي؛ لأن المعنى لا يستقر في علامة واحدة، ينقلب على نفسه كلما ظننا أننا أمسكنا به.
ولعل أكثر الصور قسوة تلك التي تتحول فيها كرات الخيط الأحمر إلى كتل كثيفة، تكاد تشبه أجساداً ملتفة على نفسها، أو كُرات جنينية، أو بقايا حكايات لم تجد طريقها إلى الاكتمال، الكرة، في ظاهرها، شكل مغلق ومتماسك؛ لكنها في هذه الأعمال تحمل في داخلها تاريخاً من التشابك، لا نرى بداية الخيط ولا نهايته، إنه ملفوف على ذاته، كأن الذاكرة حين تعجز عن الخروج من دائرتها تتحول إلى عقدة، ليصبح البياض شريكاً أساسياً في إنتاج المعنى، البياض في أعمال رانية عقل، فضاء للنقص والغياب والصمت، وليس خلفية محايدة، أمامه يبدو الأحمر أكثر حدّة، وأكثر شبهاً بالدم، لكنه لا يستنفد دلالته فيه، الأحمر يمكن أن يكون دماً، وجرحاً، وقرابة، وحياة، وتهديداً، وعلامة إنذار، إن قوته تأتي تحديداً من عدم استقراره الدلالي. وفي الأعمال التي تتدلى فيها الخيوط نحو الأقدام، ينقلب معنى الحركة، القدم هي أداة العبور والمضي، لكن الخيط يلتف حولها ويمنعها من الانفلات، يصبح ما كان يفترض أن يكون طريقاً إلى الأمام قيداً يعيد الجسد إلى موضعه، هنا تتجسد المفارقة الكبرى، الذاكرة التي تمنح الإنسان جذراً قد تمنعه أيضاً من الرحيل. إن الخيط الذي يربط الإنسان بماضيه يمكن أن يكون شرطاً لاستمرار هويته، لكنه قد يتحول، إذا استحال إلى قيد، إلى عائق أمام المستقبل. ولذلك تقدم رانية عقل الذاكرة على اعتبارها فضيلة مطلقة، حقل صراع، ما الذي ينبغي أن يبقى؟، ما الذي ينبغي أن يُروى؟، وما الذي يصبح عبئاً حين يستمر؟، الذاكرة عندها ليست مخزناً مقدساً ينبغي الحفاظ على كل ما فيه، ذاكرة ترشح بخيط أحمر ويمتد إلى ما لا نهاية.
يمكن فهم “النَكْث” فعلا مزدوجا، فكّاً للعقدة، ونقضاً لما كان موصولاً؛ لكنه في الوقت نفسه محاولة لإعادة نسج ما تمزق، إنها ليست دعوة إلى نسيان الذاكرة، ولكن إلى إعادة مساءلتها من جديد، فالنسيان والنَكْث ليسا الشيء نفسه؛ قد يكون النسيان غياباً، أما النَكْث فهو فعلٌ واعٍ ضد صيغة سابقة للوصل. وفي هذا المعنى، تضع رانية عقل المتلقي أمام سؤال لا يخص العمل الفني وحده: هل نحيا لأننا نتذكر، أم أننا أحياناً نتألم لأننا لا نستطيع أن ننسى؟، وهل يمكن للذاكرة أن تكون بيتاً من دون أن تتحول إلى سجن؟، إن قيمة “نكث في الذاكرة” لا تكمن في استدعاء الخيط بوصفه رمزاً جاهزاً، وإنما في تفكيك الرمز نفسه، الفنانة تأخذ أكثر العلامات بساطة ــ خيطاً أحمر ــ وتدفعه إلى التناقض حتى يفقد براءته الأولى. الخيط لم يعد مجرد وسيلة للوصل؛ صار سجلاً لما وصل وانقطع، وما تم ترميمه وما بقي مفتوحاً، وهو لا يحفظ الذاكرة فحسب، يكشف هشاشتها؛ إذ يكفي أن تنفلت عقدة واحدة حتى يبدأ النسيج كله في التهلهل. لهذا تبدو أعمال رانية عقل وكأنها واقفة عند عتبة النسيج والانفلات، بين الجرح والرتق، بين الجذر والقيد، بين الشهادة والصمت، بين أن تمسك الذاكرة بالإنسان وأن يمسك الإنسان بالذاكرة. والخيط الأحمر، في النهاية، ليس ما يربط الأعمال ببعضها فقط؛ إنه العمود الفقري الخفي للسردية كلها. إنه خيط الذاكرة حين تكون نجاة، وخيطها حين تصير عبئاً؛ خيط الحياة حين يخيط الجرح، وخيط الموت حين يلتف حول الجسد؛ خيط الانتماء حين يصل الإنسان بجذره، وخيط الأسر حين يحول الجذر إلى قيد. وهنا تبلغ عبارة “نَكْث في الذاكرة” أقصى طاقتها، فالفنانة تنَكْث الذاكرة لكي تكشف ما تخفيه، تفك العقدة لكي ترى ما الذي عُقد فيها، وتفك الخيط لكي تعرف من الذي كان ممسوكاً به، وبذلك يصبح العمل الفني نفسه أشبه بعملية تفكيك لنسيج داخلي طويل، ممتد افقيا وعموديا، كلما انحلّ خيط، ظهرت حكاية؛ وكلما ظهرت حكاية، انفتح جرح؛ وكلما انفتح الجرح، بدا أن الذاكرة هي ما يظل عالقاً في أجسادنا حتى بعد أن نظن أننا تجاوزناه، وليست ما نتذكره فقط. إنها ذاكرة لا تُرسم باللون ولا تكتب بالحبر، تُخاط بالوجع؛ تظل مشدودة إلى الحاضر بخيط أحمر، رفيع في مظهره، لكنه أثقل من أن ينقطع بسهولة.
المنجز الإبداعي “نَكْثٌ في الذاكرة” تستنطق الذاكرة، ولا تتعامل معها باعتبارها أرشيفاً للماضي يمكن فتحه واسترجاع محتوياته، وإنما باعتبارها بنيةً حيةً ومتحركة، تتخفّى في الجسد، وتترسب في الأشياء، وتعيد إنتاج حضورها داخل الحاضر. ليصبح النَّكث فعلاً معرفياً قبل أن يكون فعلاً تشكيلياً؛ فالنَّكث هو أن تنظر إلى ما تمّ نسجه، للكشف عن الآثار التي أخفاها انتظام الخيوط، لا من أجل إعادة نسجه، إن الفنانة تنكث الذاكرة لكي ترى ما وراء ذاكرتها؛ تفك العقدة لكي تكتشف ما الذي عُقد فيها، وتسحب الخيط لكي تعرف إلى أي جسد أو حكاية أو مكان كان مشدوداً.
يقترب فعلها من المنطق التفكيكي عند جاك دريدا، حيث يكون التفكيك كشفاً للتوترات والتناقضات التي تجعل البنية ممكنة، فالعقدة لا تُفك لكي تختفي، ولكن لكي يظهر ما كانت تخفيه، والخيط لا يُسحب لكي ينتهي النسيج، ولكن لكي يُقرأ النسيج من الداخل، لذلك فإن النسيج في هذه التجربة بنية دلالية؛ شبكة من الخطوط والتقاطعات والانقطاعات، يتجاور فيها الظاهر والمضمر، الحضور والغياب، التذكر والنسيان. إن كل خيط يبدو وكأنه يحمل أثراً لشيء غائب، وكل عقدة تشير إلى لحظة مقاومة، وكل انقطاع يكشف أن ما نسمّيه اكتمالاً ليس سوى صورة مؤقتة لبنية تخفي شقوقها. يمكن استحضار تصور بول ريكور للذاكرة بوصفها علاقة معقدة بين التذكر والنسيان، بين استعادة الماضي وإعادة تأويله. فالذاكرة ليست مرآة محايدة للماضي؛ إنها بناءٌ وتأويل وانتقاء. وما تفعله الفنانة رانية عقل هو أنها تضع هذا البناء موضع السؤال. إنها لا تسأل، ماذا نتذكر؟ فقط، وإنما تسأل سؤالاً أكثر قلقاً، ما الذي اضطررنا إلى نسيانه كي نستطيع الاستمرار؟
عند هذه النقطة يتدخل الجسد بوصفه أرشيفاً آخر، فـميرلو- بونتي يجعل الجسد وسيلة وجودنا في العالم؛ وليس مجرد موضوع نراه، ومن ثم فإن الذاكرة لا تسكن في الذهن وحده، تسكن في الجسد الذي عاش التجربة، الجسد يتذكر عبر الحركة، والانحناء، واللمس، والألم، والصمت. ولهذا تبدو الخيوط الممتدة نحو الأجساد وكأنها تستخرج من الجلد ما عجز الكلام عن قوله، إنها لا تربط الجسد بشيء خارجي فقط، تكشف أن الجسد نفسه قد صار نسيجاً للذاكرة. هنا يتحول الخيط الأحمر إلى أكثر من علامة لونية..
إنه أثرٌ بالمعنى الفلسفي، شيء بقي بعد غياب أصله، لكنه لا يكف عن الإشارة إليه. أحمر لأنه يجاور الدم والجرح والحياة، ولكنه أيضاً أحمر لأنه يرفض أن يتحول الماضي إلى لون باهت. إنه الخيط الذي يصل ما انقطع، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن الوصل لم يكن يوماً بريئاً؛ فكل ربط يحمل داخله إمكانية الخنق، وكل عقدة يمكن أن تكون حماية أو قيداً، وكل خيط يمكن أن يكون طريقاً للخلاص أو أداةً للأسر. فقوة العمل التشكيلي، لا تمنحنا ذاكرة مكتملة، وإنما تضعنا أمام أثر الذاكرة، لأنها لا تقول لنا ما حدث، تجعلنا نشعر بأن شيئاً ما حدث، وسيحدث، وأن هذا الشيء ما يزال يبحث عن صورته، ولذلك فإن الفراغات بين الخيوط لا تقل أهمية عن الخيوط نفسها؛ فالصمت جزء من الحكاية، والبياض ليس غياباً للمعنى، وإنما مساحة لما لم يُقل. وبهذا تصبح العملية الفنية نوعاً من الحَفْر في طبقات الذاكرة؛ وهي، في هذا الجانب، تلتقي مع تصور فوكو للأركيولوجيا بوصفها بحثاً في الطبقات التي تنتج الخطاب وتخفيه في الوقت نفسه. الفنانة لا تبحث عن أصل صافٍ للذاكرة، لأن الأصل نفسه قد يكون وهماً؛ إنها تبحث عن الرواسب، عن العلامات التي تركها الماضي في الحاضر، وعن القوى التي جعلت بعض الذكريات قابلة للظهور، وأخرى محكومة بالصمت. إنها لا ترسم الجرح، ترسم طريقة بقاء الجرح.
تكمن المفارقة الأساسية في تجربة “نَكْثٌ في الذاكرة” كلما حاولت تفكيك النسيج، ازداد حضور الذاكرة؛ وكلما سحبت خيطاً، ظهرت خيوط أخرى؛ وكلما انفتحت عقدة، اكتشفت أن تحتها عقدة أعمق، فالذاكرة فعل مستمر من التشكل والانمحاء.. إنها ما يظل عالقاً فينا بعد أن ننسى. لهذا يصبح العمل الفني فضاءً لمقاومة النسيان، لا باستعادة الماضي كما كان، وبإعادة مساءلة الطريقة التي ظل بها الماضي حاضراً. فالفنانة لا تخيط الذاكرة كي تُغلقها، تنَكْثها كي تمنحها إمكانية الكلام، والبوح، والخيط الأحمر، مهما بدا دقيقاً وهشاً، يظل مشدوداً بين الجسد والتاريخ، بين الفرد والجماعة، بين ما حدث وما لا يزال يحدث..
إنه خيط يكشف أن الفصل بينهما لم يكن موجوداً أصلاً. فالذاكرة، في نهاية المطاف، ليست ثوباً نرتديه ثم نخلعه، ولا أرشيفاً نعود إليه متى شئنا؛ إنها صيغة أخرى للجسد، وحين تنكث الفنانة هذه الصيغة بالخيط، فإنها تفتح الحاضر على جرحه المؤجل، هناك، في تلك المسافة بين الخيط والعقدة، بين التمزق والترميم، تتشكل حقيقة العمل، أن ما نظنه منتهياً قد يكون أكثر الأشياء قدرةً على الاستمرار، وأن ما نحاول دفنه لا يختفي، يتحول إلى أثر دال، إنها ذاكرة لا تُرسم باللون ولا تُكتب بالحبر؛ إنها تُخاط بالوجع. وكل غرزة فيها ليست تثبيتاً للنسيج، وإنما شهادة على شيء قاوم المحو. ومن ثم فإن الخيط الأحمر ليس مجرد مادة تشكيلية؛ إنه خطّ الذاكرة حين تتحول إلى جرح، وخطّ الجرح حين يتحول إلى صورة.







من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



