ب. إبراهيم طه: الكبسولة الثامنة والتسعون (98).. قهوة مترجمة!

رحتُ أعملُ صورةً لركبتي قبل شهرين. الدورُ طويل. قمت حتّى أشرب فنجان قهوة. رآني شيخ دين، ينتظر دوره مثلي، وقال لي وهو قاعد:

– “عندك كبّايات كبيرة وفناجين زغيرة.. خذ اللي بدّك إياه وعُصّ على الكبسة الخضرا!”.

هكذا قال بالضبط.. لا أعرف الرجل ولم يسبق أن التقينا في هذي الحياة الدنيا! إذًا كيف عرف أنّي عربيّ غشيم أحتاج إلى إرشادات لتشغيل ماكنة قهوة؟! وأنا لست هرِمًا مطعونًا، تطعن فيّ السنّ، أو صبيًّا جاهلًا غِرًّا حتّى يدلّني على حجم الفنجان ولون الكبسة!

لكنّي لم أعتب ولم أغضب. رأيت في حياتي مواقف أصعب منها.. أخذت فنجان الكرتون. شكرته. قعدت. شربت شفطة واحدة يتيمة. كانت قهوة مترجمة إلى العبرانيّة مايصة فاترة، مثل “شخاخة” الأطفال الرضّع. بصقتها في الفنجان..!

سرحت وشردت وعُدت إلى جدّي المختار “أبو قاسم” – رحمه الله، وهو قاعد على سْطِيح خروف من دغشة الفجر، وجدّتي حمدة “أمّ قاسم”، رحمها الله، تحوص حوله مثل النحلة. وقدّامه كلّ عدّة القهوة السادة: الكانون وطقم المعاميل، الدلّة والوسطاني والصبّاب، وبابور السبيرتو والمحماسة وطاحونة القهوة والجرن والمهباش والملعقة الطويلة والصينيّة والفناجين وعلبة الهيل العتيقة والملقط وقُفّة الفحم وإبريق الماء..

والقهوة السادة، أيّها السيّدات والسادة، لا تُعمل بكبسة زر خضراء.. كان جدّي يعملها بنبض شرايينه ويصبّها في الدلّة ويُصفّيها في الوسطاني ثمّ ينقلها إلى الصبّاب ويتركها تروق..

لكنّ رائحتها ونكهتها المهيّلة ترفض أن تروق! عبّقت وظلّت تعلو من المعاميل، تشبّ وتتعمشق على حبال الأثير وتلوب. تلوب وتطوف كلّ زقاق في الحارة. ورائحة القهوة السادة مثل الأمّ تلمّ. يلتمّ بعض الجيران والأصدقاء من الختياريّة: أبو سليم وأبو عتيق وأبو رشيد وأبو علي وأبو محمود عمّي خضر.. رحمهم الله كلّهم. وتحت عريشة الدالية، على كراسي من قشّ الحلفا، يقعدون. وكلّ واحد وعلبة التتن وقدّاحة الحجر العتيقة في جيب قنبازه..

يتبادلون الأحاديث وعُلَب التتن: “لِف يا أبو سليم.. لف يا أبو عتيق..”.. وتظلّ العلب تلفّ بينهم وتدور. وعلى مهلٍ يلفّون سجائرهم، لا وراءهم ولا قُدّامهم، يلفّون ويشربون.

وبين الشفطة وأختها يهزّون فنجان القهوة وبكلّ حواسّهم يشفطون. القهوة عربيّة قُحّ والسيجارة عربيّة بلديّة حامية. ومع كلّ لفّة سيجارة أطوف أنا عليهم، وألفّ بصبّاب القهوة. وجدّي المختار يذكّرني باستمرار: “وطّي إيدك لتحت!”

وتصعد روحي إلى فوق وتلفّ بي الدنيا وتدور.. وظلّت تصعد وتدور حتّى نادتني الموظّفة الروسيّة بلكنتها العبرانيّة المشوَِّهة (بالفوقانيّة والتحتانيّة): “أبرهِم طاها”!

وأعادتني إلى اسمي المشوّه، وواقعي المشوّه، وقهوة الكرتون المشوّهة..!!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى