ابراهيم بشناق: آيزنكوت أمام الاختبار: لا تغيير دون شراكة عربية

نتائج الانتخابات فتحت باباً لتغيير سياسي حقيقي، لكن هل يملك آيزنكوت الشجاعة لترجمة هذا التغيير إلى شراكة عربية متساوية، أم أنه يريد أصوات العرب دون الاعتراف بحقهم في المشاركة، في ظل معارضة بعض قادة أحزاب معسكر التغيير لضمهم، والبدء في مغازلة الاحزاب الحريدية؟
أفرزت الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الأخيرة واقعاً سياسياً جديداً أعاد رسم موازين القوى داخل الكنيست، وفتح أمام الأحزاب العربية فرصة مهمة للانتقال من موقع التأثير البرلماني إلى موقع الشراكة الفاعلة في صناعة القرار.
وفي هذا السياق، جاءت توصية القوائم العربية مجتمعة بتكليف غادي آيزنكوت لتشكيل حكومة جديدة، لتبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن الأحزاب العربية مستعدة لتحمّل المسؤولية والمشاركة في بناء البديل، والمساهمة في إنهاء حقبة بنيامين نتنياهو.
هذه الخطوة ليست مجرد توصية شكلية، ولا تفويضاً مفتوحاً أو شيكاً على بياض، بل تعبير عن إرادة سياسية للمشاركة والتأثير، انطلاقاً من حق المواطنين العرب في أن يكونوا شركاء متساوين في تحديد مستقبل الدولة وسياساتها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يغتنم آيزنكوت هذه الفرصة ويتعامل مع الأحزاب العربية كشريك سياسي حقيقي، أم أنه يريد أصواتها لإسقاط نتنياهو دون أن يمنحها حق المشاركة في بناء الحكومة البديلة وصناعة قراراتها؟
وإذا كانت الخلافات حول الخدمة العسكرية لا تمنع التفاوض مع الأحزاب الحريدية، ولا تحول دون بحث إمكانية إشراكها في الحكومة، فلماذا تتحول القضية نفسها إلى شرط مسبق أمام الأحزاب العربية؟
هنا تبرز ازدواجية المعايير التي تستحق المواجهة. فعندما يتعلق الأمر بالأحزاب الحريدية، تبقى الخلافات حول التجنيد والإعفاء من الخدمة العسكرية قضايا قابلة للتفاوض والتسوية، أما عندما يتعلق الأمر بالأحزاب العربية، فتُستحضر الخدمة العسكرية أو المدنية باعتبارها شرطاً للشراكة، وكأن على النواب العرب اجتياز امتحان مسبق لإثبات أهليتهم السياسية.
لماذا يُمنح الحريدي حق التفاوض حول الخدمة العسكرية، بينما يُطلب من العربي حسم موقفه منها قبل بدء التفاوض؟ ولماذا يُسمح للحريدي بالدفاع عن خصوصية مجتمعه ومعتقداته، بينما يُطلب من العربي وضع هويته الوطنية ومواقفه السياسية جانباً حتى يصبح مقبولاً كشريك؟
إن الاعتراض ليس على مشاركة الأحزاب الحريدية، فهذا حق سياسي وديمقراطي لها، بل على اعتماد معايير مختلفة في التعامل مع الشركاء المحتملين: مرونة في التعامل مع طرف، وشروط مسبقة في التعامل مع طرف آخر.
فإذا كانت الخلافات قابلة للإدارة والتفاوض مع الحريديم، فلا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لإقصاء العرب.
لا شروط مسبقة ولا امتحانات سياسية
إن الشروط الأربعة التي يطرحها آيزنكوت أمام الأحزاب العربية، والمتعلقة بهوية الدولة ووثيقة الاستقلال والخدمة العسكرية أو المدنية ومواقفها السياسية، يجب ألا تتحول إلى بوابة إقصاء أو شروط مسبقة لتشكيل الحكومة.
إذا كان آيزنكوت مستعداً لإدارة الخلافات مع شركاء محتملين آخرين، فعليه أن يقبل بأن إدارة الاختلاف جزء أساسي من أي شراكة سياسية، لا أن يجعل الاتفاق المسبق على كل القضايا شرطاً للدخول إليها.
الأحزاب العربية لا تطلب امتيازات خاصة، ولا تطالب بإعفائها من النقاش السياسي. إنها تطالب بحقها في المشاركة دون إخضاعها لاختبارات لا تُفرض بالصرامة نفسها على غيرها. ومن حقها أن تدافع عن هوية جمهورها ومواقفه، وأن تطرح قضايا الاحتلال والاستيطان وحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، دون أن تتحول هذه المواقف إلى ذريعة لنزع شرعيتها السياسية.
والشراكة الحقيقية لا يمكن أن تختزل المجتمع العربي في مطالب الخدمات والميزانيات ومكافحة الجريمة، على أهميتها القصوى. بل يجب أن تشمل مواجهة التمييز الممنهج، وضمان المساواة في التخطيط والبناء والتعليم والعمل وتوزيع الموارد، والاعتراف بالمواطنين العرب شركاء في تحديد مستقبل الدولة.
كما ينبغي أن تتضمن رؤية سياسية أوسع تقوم على احترام الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين العرب، والعمل على إنهاء الاحتلال والاستيطان، والعودة إلى مسار المفاوضات السياسية مع السلطة الوطنية الفلسطينية، بهدف التوصل إلى تسوية عادلة تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة في الحرية وتقرير المصير.
إن إسقاط نتنياهو ليس غاية بحد ذاتها إذا كان البديل سيواصل التعامل مع المواطنين العرب بعقلية الإقصاء ذاتها. فالتغيير لا يُقاس فقط بهوية رئيس الحكومة الجديد، بل بمدى قدرته على إحداث تغيير حقيقي في السياسات، وكسر المعايير المزدوجة والاعتراف بحق المواطنين العرب في التأثير والمشاركة.
الأحزاب العربية: من التوصية السياسية إلى الشراكة الفعلية
مسؤولية الأحزاب العربية لا تنتهي عند إعلان التوصية بتكليف آيزنكوت، بل تبدأ معها مرحلة سياسية تتطلب تحويل وزنها البرلماني إلى برنامج واضح ومطالب محددة، وضمان ألا تتحول أصوات جمهورها إلى رصيد تفاوضي يستخدمه الآخرون للوصول إلى الحكم دون التزامات مقابلة.
المطلوب الانتقال إلى تفاوض سياسي جدي ومعلن، يستند إلى جدول أولويات واضح والتزامات قابلة للمتابعة والمحاسبة.
وفي مقدمة هذه الأولويات: مكافحة الجريمة والعنف، ومواجهة التمييز، وضمان المساواة في الميزانيات والتخطيط والبناء والتعليم والعمل، إلى جانب احترام حق الأحزاب العربية في التعبير عن مواقفها الوطنية والسياسية، وإدراج العودة إلى المسار السياسي مع السلطة الوطنية الفلسطينية ضمن رؤية الحكومة الجديدة للمرحلة المقبلة.
وعلى الأحزاب العربية أن تدرك أن اللحظة الراهنة تفرض عليها مسؤولية تاريخية. فلا يكفي أن توصي بمرشح لتشكيل الحكومة ثم تنتظر ما سيقرره الآخرون بشأن مستقبلها ومكانتها. المطلوب أن تتفاوض من موقع القوة التي أفرزتها الانتخابات، وأن تتمسك بحقها في المشاركة وصنع القرار.
كما أن وحدة الموقف العربي والتنسيق بين القوائم ووضوح المطالب أمام الجمهور عناصر أساسية في أي تفاوض جدي. ومن حق المواطنين أن يعرفوا ما الذي طُرح باسمهم، وما الذي جرى الاتفاق عليه، وما الالتزامات التي قُطعت، وكيف ستتم متابعة تنفيذها.
لذلك، لا ينبغي منح أي مرشح دعماً سياسياً مجانياً، أو الالتزام بأي صيغة حكومية قبل الحصول على تفاهمات واضحة وضمانات جدية. وإذا بقي آيزنكوت متمسكاً بشروطه ورفض مبدأ الشراكة المتساوية، فعلى الأحزاب العربية أن تكون مستعدة لإعادة النظر في توصيتها وسحب دعمها السياسي.
فالمطلوب ليس المشاركة بأي ثمن، بل شراكة حقيقية تحفظ حقوق المجتمع العربي وكرامته ومواقفه السياسية، وتترجم ثقله البرلماني إلى تأثير فعلي في السياسات والقرارات.
آيزنكوت أمام الاختبار، والأحزاب العربية أمام المسؤولية
على آيزنكوت أن يجمّد شروطه الأربعة في هذه المرحلة، وأن يفتح باب التفاوض مع الأحزاب العربية دون شروط مسبقة، ليس المطلوب منه أن يتخلى عن قناعاته، بل أن يتصرف بمسؤولية سياسية ويدرك أن تشكيل حكومة جديدة يتطلب مرونة وتفاهمات وإدارة للخلافات، لا فرض مواقف مسبقة على شريك بعينه.
وعليه أن يجيب بوضوح: إذا كان التفاوض مع الأحزاب الحريدية ممكناً رغم الخلافات حول الخدمة العسكرية، فلماذا لا يكون ممكناً مع الأحزاب العربية؟ وإذا كانت خصوصية الحريديم مقبولة في إطار التعددية السياسية، فلماذا تصبح خصوصية العرب عائقاً أمام الشراكة؟
لقد وضعت الأحزاب العربية أمامه فرصة سياسية لإنهاء حكم نتنياهو، ولا ينبغي أن تضيع هذه الفرصة بسبب شروط يمكن تأجيلها ومناقشتها على طاولة المفاوضات.
سيد آيزنكوت، لا يمكنك أن تطلب من العرب أن يكونوا شركاء في تغيير الحكومة، ثم ترفض أن يكونوا شركاء في صناعة الحكومة الجديدة، فالدعم السياسي لا يمكن أن يكون من طرف واحد، والشراكة لا تعني أن يقدم طرف أصواته بينما يحتفظ الطرف الآخر وحده بحق اتخاذ القرار.
الأحزاب العربية ليست قوة برلمانية تُستدعى عند الحاجة ثم تُستبعد عندما يبدأ توزيع المسؤوليات وصياغة السياسات.
وفي المقابل، على الأحزاب العربية ألا تتراجع أمام الضغوط، وأن تدرك أن قوتها لا تكمن فقط في عدد مقاعدها، بل في قدرتها على التفاوض الموحد، وطرح الأولويات، ومحاسبة من يطلب دعمها.
الكلمة الأخيرة: لا شراكة بلا مساواة ولا دعم بلا التزامات
سيد آيزنكوت، الكرة الآن في ملعبك. لقد مدّت الأحزاب العربية يدها نحو التغيير، وقدّمت لك فرصة سياسية لإنهاء حكم نتنياهو. لكن هذه الخطوة لا تعني قبول العرب بمكانة سياسية من الدرجة الثانية، ولا تمنحك الحق في الاستفادة من أصواتهم مع الاستمرار في فرض شروط استثنائية عليهم.
أما الأحزاب العربية، فعليها أن تتمسك بموقف تفاوضي موحّد، وأن تطالب باتفاق سياسي مكتوب يتضمن التزامات واضحة بشأن المساواة ومكافحة الجريمة والتمييز وتحسين حياة المواطنين العرب، ويضمن حقهم في المشاركة السياسية والتعبير عن مواقفهم الوطنية، إلى جانب تبنّي مسار سياسي جدي لاستئناف المفاوضات مع السلطة الوطنية الفلسطينية.
وإذا رفض آيزنكوت هذه المطالب، وأصرّ على التعامل مع الأحزاب العربية بمنطق الشروط والإملاءات، فعليها أن تسحب توصيتها وتحجب عنه دعمها السياسي. فلا معنى لتغيير الحكومة إذا لم يصاحبه تغيير في النهج تجاه المواطنين العرب، ولا مبرر لمنح الشرعية السياسية لمن يطلب أصواتهم دون الاعتراف بحقوقهم في الشراكة.
هذه لحظة اختبار حقيقية للطرفين: على آيزنكوت أن يثبت أن حديثه عن التغيير يشمل أيضاً تغييراً في التعامل مع المجتمع العربي، وعلى الأحزاب العربية أن تثبت أن وزنها الانتخابي قادر على التحول إلى قوة تفاوضية مؤثرة، لا مجرد رقم في الحسابات الائتلافية.
رسالتنا إلى آيزنكوت واضحة: لا تطلب أصوات العرب قبل أن تعترف بحقهم في الشراكة. ورسالتنا إلى الأحزاب العربية واضحة أيضاً: لا تمنحوا دعمكم لمن لا يقبل بكم شركاء متساوين.
لا شراكة بلا مساواة، ولا دعم بلا التزامات، ولا تغيير حقيقياً من دون إنهاء سياسة الكيل بمكيالين. فالمشاركة السياسية ليست منّة من أحد، بل حق ديمقراطي، وعلى من يسعى إلى قيادة حكومة جديدة أن يثبت أنه مستعد للاعتراف بهذا الحق وترجمته إلى واقع سياسي.
بقلم إبراهيم بشناق
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



