المحامي علي أحمد حيدر: مساوئ الخدمة المدنية ومحاسن العمل التطوعي

أعادت المعركة الانتخابية الحالية طرح موضوع فرض الخدمة المدنية والوطنية على المجتمع العربي، وقد كانت بعض القوى السياسية العربية قد أبدت استعدادا للمشاركة في الخدمة المدنية، بالتزامن مع إعلان الشروط الثلاثة التي وضعها رئيس حزب “يشَار” والمرشح لرئاسة الحكومة، جادي أيزنكوت، لقبول أي حزب سياسي كشريك في الحكومة القادمة وهي:
١.الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية. ٢.قبول قيم ومبادئ وثيقة الاستقلال الإسرائيلية. ٣. الالتزام بمبدأ “الخدمة للجميع”، أي الخدمة العسكرية أو الخدمة الوطنية، بما يشمل اليهود والعرب.
وقد أكد أيزنكوت في أكثر من مناسبة أن الحزب الذي لا يقبل هذه الشروط ويلتزم بها لن يكون شريكا في الحكومة.
وإن كنا قد تطرقنا في السابق، من خلال منصات مختلفة، إلى مسألة “يهودية الدولة” و”وثيقة الاستقلال”، فبودي تخصيص هذه المقالة المقتضبة لموضوع الخدمة المدنية الإلزامية.
لا يمكن، بداية، تجاهل السياق الذي يتجدد فيه النقاش حول “الخدمة”، وخصوصا بعد السابع من أكتوبر، وحرب الابادة على غزة، وحالة الاستقطاب والخلاف الحاد بين قوى اليسار واليمين والوسط العلماني من جهة، والمجموعات الدينية اليهودية المتزمتة من جهة أخرى، على خلفية عدم مشاركتها في الخدمة العسكرية. كما يترتب علينا أيضاً، عدم إغفال السياق الذي يجري فيه التحريض اليومي على المجتمع العربي، ونزع شرعيته السياسية، وشيطنته، ومحاولات إقصائه وشطبه.
لذلك، يأتي شرط الخدمة المدنية في السياق الحالي ليشكل عقبة أمام شرعية الصوت العربي وإمكانية تأثيره، ومحاولة لاغتنام فرصة وظرف تاريخي صعب من أجل إخضاع المجتمع العربي ومواصلة محو الهوية الفلسطينية والدفع باتجاه الأسرله وتعزيز الإدعاء بأن كون العرب لا يخدمون الدولة فبالتالي لا يستحقون الحقوق ومتاح للحكومة ترسيخ دونية مكانتهم.
بناءً على ذلك، يجب التذكير بداية بأن مشروعات الخدمة المدنية المقترحة من قبل الدولة نبتت وترعرعت في أقبية وزارة الأمن، بمساهمة مجلس الأمن القومي، وبرئاسة المدير العام السابق لوزارة الأمن، دافيد عبري، كبديل للخدمة العسكرية المفروضة على جميع المواطنين في الدولة، والتي أُعفي المواطنون العرب منها بموجب قرارات وزراء الأمن.
من هذا المنطلق، فإن المجتمع العربي لا يُدعى إلى الخدمة العسكرية، ولكنه أيضاً يرفضها ويعارضها من منطلقات تاريخية ووطنية واجتماعية وهوياتية وقيمية وإنسانية.
ولذلك، طالما أن هذه المشاريع تصاغ في إطار الرؤية والمفاهيم العسكرية، ودون مشاركة حقيقية من قيادة وممثلي المجتمع العربي الحقيقيين، وكبديل للخدمة العسكرية، وكخطوة لتلبية حاجة الدولة والحكومة، وليس حاجات المجتمع العربي ذاته، فستبقى مسيرة الرفض والمعارضة حاضرة من قبل التيار المركزي في المجتمع الفلسطيني في الداخل.
ولكن قبل أن نورد الادعاءات والتبريرات التي تؤكد وتدعم معارضة الخدمة المدنية المقترحة، ينبغي التأكيد أن المجتمع الفلسطيني في الداخل، شعب أصيل في هذه البلاد، ورغم أنه حاصل على المواطنة الإسرائيلية، إلا أن هناك نوعين من المواطنة التي توجد تراتبية بينهما: المواطنة اليهودية، وهي مواطنة كاملة وقوية وغير مشروطة، والمواطنة العربية، وهي مواطنة ناقصة وضعيفة ومشروطة. ولذلك، لا يمكن لدولة أن تطالب “بالخدمة المدنية” دون أن تحقق على الأقل المساواة الكاملة بين المواطنين، وما دامت الدولة تعرف نفسها يهودية فمن المستحيل تحقيق المساواة الكاملة وبالتالي نبقى في حلقة مفرغة.
إضافة إلى ذلك، ففي الدول التي تدعي الديمقراطية، لا ينبغي أن تكون الحقوق والحريات مرتبطة ومشروطة بالواجبات، بل على العكس، فعلى الدولة أن تمنح المواطنين حقوقهم أولا، وهو الأمر الذي لم تقم به الحكومات الإسرائيلية منذ عام 1948 وحتى الآن، رغم أن المجتمع العربي يقوم بتنفيذ كل الواجبات من الامتثال للقانون، دفع الضرائب، رغم أن أراضيه وأملاكه صودرت من قبل الدولة وتم تهجير أبناء وطنه وحتى أن لاجئي الداخل وهم مواطنون لا يسمح لهم بالعودة إلى بلداتهم.
ومن يريد أمثلة أخرى على عدم الرضوخ للخدمة المدنية، فلينظر إلى أوضاع الدروز في البلاد، الذين أُلزموا بالخدمة العسكرية، ورغم ذلك لا يحصلون على حقوق متساوية، بل إن أوضاع بلداتهم أسوأ بكثير من أوضاع البلدات العربية الأخرى. وفي المقابل، فإن الحريديم، الذين لا يؤدون الخدمة العسكرية أو المدنية، يحصلون على حقوق أكثر نتيجة لالتزامات الدولة تجاههم كيهود وكونهم جزءا من متخذي القرار.
إن بنية المجتمع العربي تساهم في دعم أعمال التطوع والمساعدة والتضامن، حتى وإن لم تكن هذه الأعمال منهجية. فالمساعدة في الأفراح والأتراح والمناسبات، وأيام العمل التطوعي، والمبادرات الخيرية، وحملات التبرع والمساعدة في حالات الطوارئ، والمبادرات الشبابية والمجتمعية، كلها تشير إلى وجود ثقافة التطوع والعطاء في هذا المجتمع، الذي صمد واعتمد على ذاته في كثير من مناحي الحياة.
وهنا لا بد من التمييز بين التطوع والخدمة الإلزامية. فالتطوع يقوم أساسا على الإرادة والاختيار والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، بينما تقوم الخدمة الإلزامية على فرض الدولة واجبا محددا على المواطن. ولذلك، فإن رفض الخدمة الإلزامية لا يعني، بأي شكل من الأشكال، رفض خدمة المجتمع أو حتى خدمة المحتاجين من مجموعات وشعوب أخرى أو التنصل من المسؤولية تجاهه. بل يمكن للمجتمع العربي أن يطور نموذجا خاصا به للعمل التطوعي والعطاء المجتمعي، ينطلق من احتياجاته وقيمه وطاقاته، وليس من تصور تفرضه الدولة عليه.
وهناك في المجتمع العربي طاقات كبيرة يمكن استثمارها في هذا المجال: معلمون وأكاديميون وأطباء ومحامون ومهندسون وموظفون وعمال وشباب وطلاب، إضافة إلى أصحاب المهن والخبرات المختلفة وهنالك الكثير من المتقاعدين. كما توجد جمعيات ومؤسسات ومبادرات أهلية وشبابية تمتلك خبرة متراكمة في العمل المجتمعي والتطوعي. وهذه الطاقات يمكن تنظيمها وتوجيهها بصورة أكثر مهنية ومنهجية لخدمة المجتمع.
وحتى لو لم يكن التطوع القائم حاليا كافيا، فإن الحل لا يكمن بالضرورة في تحويله إلى خدمة إلزامية، وإنما في بناء بنية مؤسساتية قادرة على احتضان هذه الطاقات وتوسيعها.
ومن هنا، فإن المطلوب من كل سلطة محلية عربية أن تقيم وحدة للعطاء والتطوع، على غرار الوحدات الأخرى، كالتربية والرياضة والصحة وغيرها، بحيث تنظم مسألة التطوع والعطاء في البلدة بشكل مهني ومدروس وجدي. ويمكن لهذه الوحدات أن تنشئ قاعدة بيانات للمتطوعين، وتتعرف إلى مجالات اهتمامهم وقدراتهم، وتربط بينهم وبين المدارس والمؤسسات والجمعيات والمبادرات المجتمعية في المستوى المحلي والقطري التي تحتاج إلى جهودهم.
كما يمكن لهذه الوحدات تنظيم برامج لتطوع الشباب والطلاب، ومساعدة كبار السن، ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة، ومساندة الطلاب في التعليم، وتنظيم حملات بيئية وصحية وثقافية، والمشاركة في حالات الطوارئ والأزمات، إلى جانب المبادرات الاجتماعية والإنسانية المختلفة.
وبذلك، يصبح التطوع جزءا منظما من الحياة العامة في البلدة، وليس مجرد مبادرات فردية أو مناسباتية. كما يمكن أن يمنح الشباب والمتطوعين مهارات وقدرات جديدة، ويعزز لديهم الشعور بالانتماء والمسؤولية، ويتيح لهم اكتساب خبرات عملية واجتماعية، ويمنح العمل المجتمعي معنى أعمق.
لذلك، من الجدير أن تدير هذا الموضوع السلطات المحلية وأن تبني هيئة جامعة لكافة السلطات العربية (من أجل التنسيق والتشبيك والتخطيط والتعاون والتثبيت والمهننة بالتنسيق مع لجنة المتابعة)، وأن تستجيب لحاجات المواطنين، وتقوي الانتماء والهوية، وتمنح المتطوعين مهارات وقدرات ومعنى، وتسهم في سد فراغ وتلبية حاجة ملحة في المجتمع.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



