د. علي خليل جبارين: في عصر “الذكاء”، ما احوجنا الى الحكمة؟

الاستماع إلى بعض المقابلات مع أقطاب “الذكاء الاصطناعي” وقراءة بعض البيانات التي صدرت عنهم مؤخرا، يكشفان عن قضايا لافتة وددت مشاركتها مع القارئ والمتابع العزيز. تكشف هذه المقابلات والبيانات عن قلق متزايد بشأن قدرة “الذكاء” على الوفاء بالوعود التي بشر بها سابقا. فقد باتوا أكثر صراحة ووضوحا في الإقرار بأن الذكاء، سواء كان آليا أو اصطناعيا أو “فائقا” لم يحول العالم إلى مكان أكثر أمنا وازدهارا، وربما لن يحقق ذلك. ومع ذلك، يجمع هؤلاء على أن المشكلة ليست في الأداة ذاتها. فإذا لم تكن المشكلة في الأداة، فأين يكمن الخلل؟.
كما تظهر تصريحاتهم يكمن الخلل في عدة أسباب، استوقفتني من بينها ثلاثة أسباب رئيسية و التي قد تفسر إخفاق الذكاء الاصطناعي في تحقيق وعوده المتفائلة. أسباب تبدو في جوهرها مرتبطة بطريقة عمل الذكاء الاصطناعي وبغياب الضوابط التي تحدد كيفية استخدامه والغايات التي يوظف من اجلها.
السبب الأول لهذا الإخفاق هو أن “الذكاء” يعمل وفق منطق “أداتي”، يطور ادواته ووسائله لتحقيق غايات محددة دون الاكتراث بما قد يترتب عليها من خير أو شر او مساءلة لأبعادها الأخلاقية. وهكذا يتطور ما يعرف بـ”العقل الأداتي”. والاخطر من ذلك ان الانسان نفسه يبدأ في تكييف ذاته مع منطق الآلة متغافلا، وبشكل تدريجي عن الضرر التراكمي الذي قد يلحق بإنسانيته. فمهما بلغ “الذكاء” من تطور، يظل أسير سؤال: “كيف؟”: يخبرنا بما نستطيع فعله، لا بما ينبغي أن نفعله ولن يستطيع يوما من تلقاء ذاته ان يدرك البعد الأخلاقي لما يفعل.
أما السبب الثاني الذي برز في هذه التصريحات، والذي قد ينذر بأضرار كارثية على البشرية، فيتمثل في احتمال أن تقود قلة من أصحاب النفوذ والثروة المنشغلين بمضاعفة أرباحهم وثرواتهم عملية متسارعة للذكاء الاصطناعي، بما يفضي إلى سباق محموم يفتقر إلى الشفافية والضوابط الأخلاقية. وقد يقود هذا السباق لتطوير ذكاء الاصطناعي أكثر تفوقا، قادر على تطوير قدراته ذاتيا وبوتيرة لم يتخيلها البشر. الامر الذي قد يقوض قدرة الإنسان على التحكم في شؤون حياته اليومية ويضعف ثقته بنفسه ويسلبه راحة البال والشعور بالأمان او حتى يعرّضه لخطر وجودي حقيقي.
أما السبب الثالث، وهو الأكثر واقعية والأقرب إلى تجربة الناس اليومية، فيظهر حين يقع الذكاء في يد سلطة عسكرية مستبدة او جماعة خارجة عن القانون تمتلك قوة مفرطة، وتفتقر إلى الحد الأدنى من الحكمة والأخلاق. عندها يتحول الذكاء من سفينة نجاة إلى أداة للتدمير والتجويع وقتل الأبرياء، ويسخّر لتبرير الخطأ بدلا من تصحيحه..
ولعل إبليس يجسّد مثالا رمزيا على ذلك. إذ لم تكن المشكلة في ذكائه او قدرته على الفعل، بل في الكبر والغرور الذي حول القوة إلى غطرسة ومنهج في التعامل مع الآخرين.
غير أن السؤال الأهم يبقى: أين الحل؟
هنا اجتهد ان اطرح بعض الحلول رغم ادراكي بأن اقطاب الذكاء الاصطناعي وعرّابيه لن يعيروها بالا. الحل لا يعني رفض الذكاء الاصطناعي أو التخلي عن أدواته، فنحن لسنا ضد المعرفة التقنية ولا ضد مواكبة مستجدات هذا المجال المعرفي، بل على العكس، يجب أن نكون دائما في الطليعة. لذا يكمن الحل في تربية مستخدمي الذكاء الاصطناعي على الحكمة وغرس الضوابط الأخلاقية في نفوسهم. فالحكمة ليست ضعفا ولا ترددا، بل هي الكابح التي يسبق الفعل او رد الفعل ويضبطهما، ويدفع لطرح الأسئلة الجوهرية: لماذا هذا القرار او هذا الفعل؟ ومن سيتأثر به؟ وما ثمنه الأخلاقي؟ ما هي النتائج المترتبة عليه؟
يجب تربية المستخدم على الحكمة النابعة من الوعي الحقيقي، وليس الوعي الزائف الذي يرتدي قناع “الذكاء”. ويتحقق ذلك تربويا حينما نعوّد أبناءنا على التأمل في أخطائهم بدل تلقينهم الإجابات “الصحيحة”، وان نغرس فيهم التواضع المعرفي ورؤية القضايا من زوايا وجوانب متعددة ومعنى تحمل المسؤولية المتدرجة وكيفية تحديد الغايات النبيلة، مدركين أن “رأس الحكمة مخافة الله”..
عندها تنشأ قيادات ومجتمعات تخضع قوة الذكاء الاصطناعي لضوابط أخلاقية واضحة، فتتحوّل الفرص والطاقات الهائلة من مصدر خطر إلى أداة بناء، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ففي الحكمة النجاة، وفي غيابها الهلاك.. والله الموفق والمستعان!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



