أ. مصطفى الجابر: غداً هو يوم الانتخابات.. والناس إزاءها على 3 فئات!

غداً هو يوم الانتخابات.. والناس إزاءها على 3 فئات:

فئة من أناس حسموا أمرهم، وقرروا أن ينزلوا

ويدلوا بأصواتهم رغم كل العبث المحيط بالمشهد.. هؤلاء أبارك خطوتهم وأرفع لهم

القبعة احتراماً، لأنهم اختاروا المقاومة بالوسيلة المتاحة بدلاً من الاستسلام.

وهناك فئة المقاطعين السلبيين.. أولئك الذين لن يشاركوا، ليس دفاعاً عن عقيدة سياسية ولا

انحيازاً لفكر ما، بل من منطلق الكسل، أو اللامبالاة، أو نوبات الإحباط المزمن والنزعات النفسية الشخصية او الجماعية التي تجعلهم عاجزين عن حملِ ورقة ووضعِها في صندوق… هؤلاء لا نملكُ إلا أن ندعوَ لهم بالشفاءِ وراحةِ البال، فمشكلتُهم ليست

مع الكنيست، بل مع الحياةِ نفسِها!

أما الفئة الثالثة فهم المقاطعون

مبدئياً.. أصحاب الفكر، والغيرة الوطنية، والمواقف النبيلة الصادقة التي ترى في

المنظومةِ كلِها فخاً يجب الترفع عنه.. إليكم أنتم تحديداً، أوجّه هذا الكلام.

تخيّل أن تستيقظ فجأة، لتجد نفسك في الحلقة الأولى من لعبة الحبّار (Squid Game)؛

المكان مقفل، الحُراس يرتدون أقنعة، القوانين كُتبت بلهجة لا تحبها، وهناك.. من وراء الزجاج العازل يقف عرّاب اللعبة الساديّ

الهمجي تعلوه ابتسامة باهتة خبيثة.

في تلك اللحظة، يقف في وسط الساحة رجلٌ صالح.. وسيم الملامح، ثيابه نظيفة تماماً، ويرفع يديه قائلاً بصوته الشجي: “أنا أرفض شرعية هذه اللعبة! القوانين غير عادلة، والمنظّمون أشرار، ولن أشارك في هذه

المسرحية القذرة.”

كلام عظيم، أليس كذلك؟ موقف نبيل، يفيض طهارةً وشرفاً.

لكن بينما هو يلقي خطبته العصماء عن الكرامة، تبدأ الدمية الضخمة بالغناء: موجونغوا

كوتشي بيبسو ميندا..!

ينتهي الوقت، فيُطلَقُ عليه الرصاص، ويسقط في القاع، ثم تمشي الجرافة لتنظف جثته كأن شيئاً لم يكن.

 

لماذا؟ لأن الدمية لا تناقش الفلسفة، وقوانين اللعبة لا تُهزم بالزهد والتقشف..!

هذا ما كان في اللعبة.. وفي واقعنا

الحالي:

نحن نعلم أن اللعبة قذرة. ونعلم أن الملعب ليس ملعبنا، وأن الحَكَم يرتدي قميص الخصم، وأن النظام كله لم يُفصَّل يوماً لخدمتنا. مقاطعتكم أيها السادة ليست خيانة، بل هي في جوهرها رد فعل إنساني مفهوم.. قرفٌ

من النفاق، وزهدٌ في فتات الموائد. لكن، هنا بيت القصيد:

هل المقاطعة في حالتنا موقف سياسي، أم مجرد تطهير للضمير؟

هناك فارق شاسع بين من يقاطع ليخوض معركة بديلة، وبين من يجلس على أريكة بيته ويردد: “فخار يكسر بعضه”!

المصيبة يا صديقي أن الفخار الذي ينكسر هو بيتك أنت!

الفخار هو تصريح البناء لبيتك المهدد بالهدم، هو ميزانية المدرسة التي يتعلم فيها ابنك، هو الاليات المفقودة في شوارعنا

التي ينهشها سلاح الجريمة المنظمة، هو وجه الفاشي الذي يبتسم في التلفزيون عندما

يرى نسبةَ تصويتِنا 40%، لأن غيابَك ليس احتجاجاً يَهُز كرسيه.. غيابُك يا سيدي هو أجمل هدية

مجانية تُقدَّم له على طبق من ذهب.

 

سيكولوجية الإنسان المقهور غريبة جداً؛ يظن أحياناً أنه إذا أغمض عينيه، فالوحش لن يراه.

نقول: “نحن نقاطع ِلننزع الشرعيةَ عن برلمانهم!”

بربكم!! هل سَهِرَ عرّابُ اللعبةِ ليلة

أمس, يبكي لأنك لم تصوّت؟ هل توقفت قرارات مصادرة الأراضي لأن نسبة المقاطعة وصلت

60%؟ هل سيقول بن غفير: “يا إلهي، العرب يقاطعوننا، فلنعد إلى رشدنا”؟

أنت لا تنزِعُ الشرعيةَ عنهم، أنت فقط تنزِعُ وجودَك من المعادلة!

تسحب ورقتَكَ من الصندوق، فيتحولُ صوتُك الغائبُ إلى مِقعد إضافي لأعتى المتطرفين، يسِنّ به قوانين تخنُقُكَ غداً صباحاً… ثم تعودُ لتصرخ: “انظروا كم هم عنصريون!”

 

وفي فلسفة الأخلاق هناك نوعين من الأخلاق:

أخلاق المبدأ: أن تبقى طاهراً، شريفاً، ناصع البياض،

حتى لو فسد من في الأرض جميعا..

وأخلاق المسؤولية: أن تدرك أن يديك قد تتسخان بالغبار،

لكنك مسؤول عن النتائج الواقعية لحياة الناس.

نحن لا نطلب منكم أن تعشقوا اللعبة، ولا أن تؤمنوا بنزاهتها. دخول الحلبة ليس اعترافاً بعدالتها، بل هو محاولة بائسة يابسة.. وعنيدة لتعطيل لكمات الخصم، لمنعه من سحقنا بالضربة القاضية.

في غابة الذئاب، لا يمكنك أن تكتفي بإعلان انك نباتي التغذية وتتوقع أن يصفق لك الذئب!

 

المسألة لم تعد نقاشاً أكاديمياً في

صالون ثقافي عن “نقاء الهوية”.

المسألة هي: من سيدير ميزانيات بلداتنا؟

من سيحمي أولادنا من فوضى الرصاص؟ ومن سيقف صوتاً مزعجاً في حلق مشاريع التهجير

والتضييق؟

الجلوس في مدرجات المتفرجين لن يحميك من الحريق إذا اشتعل الملعب.

واخيراً.. فاعلموا اننا نحن الثغرة التي تقضّ مضاجعهم… نحن الثغرة في جدار فاشيتهم.. فلندخل منها ونُفسد عليهم نشوتهم القميئة..

فلا عزاء لكرامتنا، ولا راحة لضمائرنا إن سلّمناهم الغد بلا معركة، ورأيناهم

يبتسمون فوق أنقاض وجودنا من جديد..

فلننزل كلنا ونملأ الصناديق.. لنُربك حساباتهم ونخطف فوزهم المزيف..

فلا عذر لغيابنا،

ولا عزاء لأرواحنا إن صحونا غداً على كابوسهم يحكم خناقه حول أعناقنا من جديد!

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى