شوقية عروق منصور: الفلسطيني بين الخزّان وشاحنة القمامة!

عندما وقف “أبو الخيزران” أمام سيارته الكبيرة، وقرر أن يلقي بالأجساد الثلاثة في الصحراء ، تردد ثم قال لنفسه: “هنا تكوّم البلدية القمامة”.. ثم فكّر: “لو ألقيت الأجساد هنا لاكتشفت في الصباح.. ولدفنت بإشراف الحكومة”! ولكن قبل إن يخرجها دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود: لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟ّ لماذا لم تقولوا؟! لماذا لم تقرعوا جدران الخزّان؟!”.
هذه كانت نهاية “أبو قيس وأسعد ومروان”.. هؤلاء الرجال الذين كانوا يحاولون التسلل إلى الكويت بحثاً عن حياة أفضل، وكان “أبو خيزران” صاحب السيارة قد قام بإخفائهم داخل خزان الشاحنة، ولكن ماتوا اختناقاً أثناء انتظار “أبو خيزران” في نقطة التفتيش.. هذا ما كتبه ووصفه الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني في رائعته “رجال في الشمس”.. الرواية التي تلخص مأساة الفلسطيني الذي يفتش عن لقمة عيشه، وعن ظروف أفضل في مجتمعات ترفضه كلاجئ لا يحق له أن يكون إنساناً في ظروف تليق بالبشر.
وبقيت عبارة “لماذا لم تقرعوا الخزّان؟ّ” دلالة على رفض الصمت والاستسلام، بل عليهم قرع الجدران والخزانات حتى تتحطم.
في كل العقود والسنوات وتوهج النضال، والعيش تحت ظلال عتمة الاتفاقيات غالباً كان العامل الفلسطيني هو الضحية التي بقيت تتعرض للإذلال ومرارة العيش والركض وراء الرغيف، محاولاً احتضان الخيبات والخذلان، متجاوزاً كل العقبات، طالباً فقط العيش على خط الاحترام، ولو بالوقوف أمام الحواجز وتحمل مزاج المشغّل اليهودي، عدا عن استغلاله بالزمن بتشغيله ساعات أكثر مقابل المال القليل!
منذ العام 1967 والعامل الفلسطيني يخوض معاركه مع المشغّل اليهودي، وذلك بسبب غياب المصانع وورشات العمل في مدن وقرى الضفة الغربية. ولا يزال الاستغلال يتجسد بالحصول على تصاريح العمل مقابل دفع مادي وأقساط شهرية لسماسرة من العرب واليهود، من خلال علاقاتهم مع الجالسين فوق يقومون بإعطاء تصاريح، لكن مقابل دفع رشوة، حتى كانت هناك تسعيرة باهظة يدفعها العامل من عرقه ورغيف أولاده. والكل يعرف كيف تدار عملية الفساد، ولكن الصمت مطبق، فجميعهم يرون ما يدور من تحت الطاولة ولا أحد يتكلم!
بعد أحداث 7 أكتوبر دخل العامل الفلسطيني في مرحلة التضيق حتى الخناق، وأصبحت ملاحقته في كل مكان، من تغريم صاحب العمل إذا وجد عنده عاملاً فلسطينياً لدرجة اعتقال العامل وأحياناً اغلاق مكان العمل عقاباً للمشغل أو صاحب العمل.. ولا أحد يسأل بعد ذلك: كيف سيعيش العامل الفلسطيني؟! وكيف ستعيش أسرته؟! خاصة في ظل سلطة فلسطينية مترهلة لا تقوم بواجبها اتجاه العامل، عدا عن غياب مشاريعها وخططها لتوفير أبسط الحقوق الحياتية لهذا المواطن، وأيضاً عجزها عن الدفاع عنه أمام الرفض الإسرائيلي لتشغيل العامل الفلسطيني. وقد وصل الاستخفاف بالعامل بالفلسطيني أن أخذ المشغل اليهودي يجلب عمالاً من شرق آسيا، ليجد العامل الفلسطيني نفسه أمام الجوع والحرمان والأفواه الصارخة!
وقد رأينا حرص الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي تأخذ صور العيون اليقظة، الحواجز التي أقيمت على مداخل المدن والقرى الفلسطينية ومهمتها التفتيش، تفتيش السيارات والبشر..
ورأينا حين يفتش الجنود السيارة ويلقون القبض على العمال، في مشاهد تعكس فرح الجنود وذل العامل الفلسطيني حين كان يخرج من صندوق السيارة مع عدة عمال بوجوههم البائسة الباحثة عن عيش كريم، لكن الاحتلال ينقض عليهم ويسلب منهم حتى هذا العيش.
أما آخر الصور المؤلمة، التي أوصلت المشاعر الإنسانية إلى التمزق والصراخ في وجوه المسؤولين، فكانت (اليوم الثلاثاء) عبر شاحنة لجمع النفايات والقمامة حينما ضُبِط عمال فلسطينيون يختبئون داخلها في محاولة للدخول إلى أماكن عملهم في الداخل الفلسطيني.
هذه الصورة لوحدها عليها أن تعلقها حكومة “أبو مازن” على باب المقاطعة في رام الله، في حكومة فلسطينية ووزراء وسفراء في دولة وهمية، لم تستطع حماية أصغر عامل.
حين نصرخ وندق جدران وسائل الاعلام ليس احتقاراً بشاحنة النفايات، لأن هذه الشاحنة قد تكون أنظف من كل الوزارات، ولكن احتقاراً للظروف التي دفعت هؤلاء العمال الشباب للاختباء في شاحنة النفايات، واحتقاراً للحظات التي جعلت كاميرات عناصر الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية تقوم بالتقاط صورهم والسخرية منهم وهم يخرجون واحدًا تلو الآخر من داخل مخبأ شاحنة النفايات!!

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



