رياض كبها: كلمة وفاء وتقدير للمناضل الفحماوي “ابو سامي الشريدي”

قبل نحو أربعين عامًا، توفي والدي كامل أحمد إبراهيم كبها رحمه الله، وكان من بين المعزّين الكُثر الأخ أبو سامي – محمد الشريدي من أم الفحم، طيّب الله ثراه، الذي ذكر في حضوره مآثر والدي وصِدق صداقتهما القوية والمتينة. ولم يكتفِ أبو سامي بالحضور إلى بيت العزاء، بل خطّ كلمة رثاء مؤثرة نُشرت في جريدة الاتحاد بتاريخ 1.8.1985.
كان أبو سامي الشريدي من المناضلين البارزين في صفوف الحزب الشيوعي في أم الفحم، ومن الذين قادوا مظاهرات العمال والأهالي ضدّ سياسة التجويع والبطالة، كما كان من أوائل النشطاء الذين ناضلوا بشجاعة ضدّ نظام الحكم العسكري، إلى جانب كوكبة من المناضلين الفحماويين الأوفياء.
بدأ الحكم العسكري بمضايقته والتنكيل به في كل المجالات، فحُرم من تصاريح العمل، وتعرّض للتحقيق والسجن المتكرر، وتضيّقت سبل العيش في وجهه. وفي خطوة عقابية قاسية، قررت سلطات الحكم العسكري نفيه إلى قرية برطعة سنة 1950، برفقة الإخوة: إبراهيم (أبو بديع) الحصري، أحمد خضر جبارين، ومحمد شفيق، حيث وجدوا هناك أيضًا المنفيّين محمود الناشف وعبد الحميد أبو عيطة.

قُبض عليهم، وعُصبت أعينهم، وأُلقوا في برطعة بعد أن حُذّر مختار القرية ومن تعهّد بكفالتهم من تقديم أي مساعدة لهم. اختاروا برطعة لتكون لهم سجنًا كبيرًا؛ فهي قرية نائية فقيرة لا شارع لها ولا كهرباء، تبعد مسافة نحو خمسة كيلومترات عن عارة، وتقع على الحدّ الفاصل بين إسرائيل والأردن، لعلّ ذلك يكون إغراءً لهم لعبور الحدود والتخلّص منهم.
لكن ما لم تحسب له السلطات حسابًا، أنّ أهل برطعة كانوا أصحاب نخوة وكرم وشهامة. فقد استقبلهم مختار القرية الحاج محفوظ ووجهاؤها استقبال الأخ لأخيه، ووقف محمد الشريدي أمام الجمع يشرح أسباب نفيهم، مؤكدًا أنهم لم يرتكبوا جرمًا سوى المطالبة بحقّ العمل والعيش بكرامة. كانت كلماته الحماسية صادقة ومؤثرة، فلامست قلوب أهل القرية، فقام الحاج محفوظ مرحّبًا بهم قائلاً: “أنتم لستم منفيّين، بل أصحاب البيت والبلد، فأهلًا وسهلًا بكم.”
وهكذا احتضنهم أهل برطعة، وقدّموا لهم الطعام والمأوى، رغم تحريض الحكم العسكري ضدهم، إذ وصفهم بأنهم “أعداء الدين”. لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ فقد أحبّهم السكان واحترموهم، وفتحوا لهم بيوتهم، حتى صارت برطعة محطة نضالية وإنسانية نادرة المثال.
زارهم في تلك الفترة أعضاء كنيست من الحزب الشيوعي، ما زاد من قلق الحاكم العسكري الذي قال: “إذا لم تعجبهم الحياة هناك، فليعبروا إلى الأردن، وهكذا نتخلّص منهم!”
غير أن الواقع أثبت فشل سياسة النفي، إذ تحوّل محمد الشريدي ورفاقه إلى رموز للصمود والتلاحم الشعبي، وأصبح لهم أثر اجتماعي وسياسي واضح، فاضت برطعة احترامًا لهم، وتوطدت بينهم روابط الأخوّة.
استمرّ نفي بعضهم نحو شهرين، فيما قضى المناضل محمد الشريدي ستة أشهر كاملة في برطعة، تلتها فترة قصيرة في أم القطف، قبل أن يُعاد إلى أم الفحم. ترك أبو سامي أثرًا عميقًا في نفوس أهل برطعة، وبقيت علاقته بهم طيبة حتى وفاته. وكان له دور بارز في تجنيد المؤيدين للحزب الشيوعي في المنطقة، وفي ترسيخ قيم النضال الوطني والإنساني.
رحم الله المناضل محمد الشريدي، الذي جمع بين صلابة الموقف ودفء الإنسانية، وبقي اسمه محفورًا في ذاكرة برطعة وأم الفحم وكل المنطقة .
(برطعة)
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



