البروفيسور إبراهيم طه: الكبسولة الحادية والثمانون (81).. النكبة من التاريخ إلى اللغة

في ظرفٍ لا وقت فيه لأحكّ رأسي وجدتُني متورّطًا في ردّ على ملاحظة غبيّة. كانت الملاحظة في غير محلّها ولا أوانها.. يتداول أساتذة الجامعات في إسرائيل، عبر منصّة بريديّة خاصّة، آراءهم في كلّ القضايا الحارقة والمحروقة والباردة والمبرّدة. يتناقشون ويتناوشون في كلّ مسألة..

لا أشارك في المناوشات لأنّ بعضها مضيعة للوقت وبعضها هدر لمخزون الأعصاب الذي أخذ ينشّف أصلًا. لكنّ الملاحظة التي كتبها أحد الأساتذة الكبار استطاعت أن تستفزّني من مقعدي. فيها يستنكر قولنا “نكبة” ويستكثره علينا. ولماذا تستفزّني ملاحظة غبيّة فاتلة كهذه؟ لأنّ ذاك البروفيسور العبقريّ بدا فيها مثل الأطرش بالزفّة، “بسحج بالغرب والمحوربة بالشرق” .

النكبة في التاريخ الفلسطينيّ، يا عبقريّ، قد تحصّلت بثلاث حقائق عند إقامة إسرائيل: تقتيل وتهجير واحتلال. ألا ترى أيّها الأستاذ الفهّامة أنّ لفظة “نكبة” إذًا ما زالت قاصرة عن احتواء الحقيقة حتّى على مستوى المعاني ناهيك من مستوى المشاعر؟! من المفارقات المرعبة أن تصير لفظة “نكبة” من جوامع الكَلِم باتّجاه صاعد من الواقع إلى اللغة.

عندما تتّسع اللفظة المعجميّة لتستوعب المزيد من المعاني المكتسبة تصير كلمة جامعة. والغريب في الأمر، أيّها الأستاذ العلّامة، أنّك ترتعب من لفظةٍ أنت الذي وسّعها وأضاف إليها معاني لم يفطن إليها لا ابن فارس ولا ابن منظور. كانت اللفظة راضية بقسمتها ونصيبها، راضية بمعنيين “خفيفين لطيفين” فحمّلتها معاني التقتيل والتهجير والاحتلال. أرضيتَ بالواقع واستثقلتَ اللغة؟! عجيبٌ أمرك غريب!

إذا كانت كلمة “نكبة” مرعبة إلى هذا الحدّ، وهي في المحصّلة الأخيرة علامة معجميّة، فماذا تسمّي ما حدث للشعب الفلسطينيّ مع قيام إسرائيل من تقتيل وتهجير واستيلاء؟ إذا كانت لفظة “نكبة” الخفيفة في معانيها ثقيلةً على مسامعك فاقترح لفظة من عندك تصل إلى عمق المأساة. ولتكن صدقة جارية في ميزان حسناتك، وإنّا لك من الشاكرين..

أقول ما أقول بجدّية بدون أيّ منكّهات ساخرة. أذكّرك بلفظتين استطاع الشعب الفلسطينيّ أن ينقلهما من أحشاء المعاجم العربيّة وأن يصدّرهما إلى فضاء الإنسانيّة كلّها: “نكبة” و “انتفاضة”. نكبة أنت فاعلها نحن مفعولها، وانتفاضة نحن فاعلها وأنت مفعولها. ولمّا كنّا نحن مفعولين فاعلين صارت اللغة لنا. هكذا تُكتب اللفظتان في كلّ لغات الأرض. لا تُترجم أيٌّ منهما ولا تُستبدل برديفٍ أو مثيل. وهكذا تخرج اللفظتان من كلّ الحناجر في الأرض يردّدها العالم كلّه، مثلما نكتبها نحن ونلفظها بالضبط!

لو كنتَ أيّها البروفيسور الغبيّ على قدر أكبر من الذكاء لهمستُ في أذنك أنِ اهمسْ في آذان السياسيّين الإسرائيليّين أن يقبلوا اللفظة لأنها أخفّ من الحقيقة، أخفّ من الريشة في ميزان التاريخ. لكنّي تذكّرت أنّ ذكاءك بحجم حبّة خردل لن يسعفك لفهم هذه المفاضلة بين اللغة والتاريخ!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى