د. نائلة تلس محاجنة: كأس العالم واللغة

صحيح أنني في خضم رحلة علمية وبحثية مثرية في جامعة University of Essex  البريطانية، وصحيح أنني لا أتابع كأس العالم، لكن لفتني مقال في صحيفة “الجرديان” The – Guardian   للكاتب وليامز خريستو William Christou  -يلامس ويناغم اهتماماتي اللغوية والثقافية بشكل خاص.

المقال يتناول التعليق الرياضي العربي لا بوصفه مجرد وصف لما يحدث في الملعب، بل بوصفه أداء لغويا ووجدانيا كاملا. فالمعلّق العربي، في كثير من الأحيان، لا ينقل الحدث فقط، بل يعيد تشكيله باللغة، يمدّد لحظته، ويمنحه إيقاعا وذاكرة. المثال المركزي هو تعليق عامر الخضيري على هدف لكريستيانو رونالدو، حيث تحوّل الهدف إلى لحظة درامية طويلة ومشحونة بالمعنى.

ما أثار اهتمامي تحديدا هو هذا التقاطع بين الرياضة واللغة والهوية. الهدف لا يبقى مجرد هدف، بل يتحول عبر صوت المعلّق إلى حكاية، إلى صورة بلاغية، وربما إلى لحظة جماعية يتذكرها الناس من خلال الكلمات بقدر ما يتذكرونها من خلال المشهد

ويعرض المقال التعليق من زوايا مختلفة أهمها

 * اللغة العربية نفسها جزء من قوة التعليق

المقال يربط أسلوب التعليق بتاريخ العربية الشفهي والشعري، خاصة تقاليد البلاغة، الارتجال، والمبالغة الجمالية. الفكرة هنا أن العربية تمنح المعلقين مساحة واسعة للتكثيف، الإيقاع، الصور البلاغية، وتضخيم اللحظة الرياضية.

 * المعلق العربي “يمدّد الزمن” داخل المباراة

واحدة من النقاط الجميلة في المقال أن التعليق لا يصف اللحظة فقط، بل يجعلها أطول وأكبر من زمنها الفعلي. تمريرة أو هدف قد يستغرق ثواني، لكن المعلق يحوّله إلى فقرة سردية كاملة، فيصبح الترقب والانفعال جزءا من تجربة المشاهدة نفسها.

 * التعليق يصنع المتعة حتى لغير المهتمين بكرة القدم

المقال ينقل فكرة أن بعض المشاهدين يتابعون المباريات بالعربية ليس فقط بسبب اللعب، بل بسبب الأداء الصوتي والبلاغي للمعلقين. التعليق يصبح عرضا مستقلا، قادرا على إثارة الحماس حتى عند من لا يفهمون تفاصيل اللعبة جيدا.

* هناك فرق ثقافي بين التعليق العربي والتعليق الإنجليزي

المقال يقارن ضمنيا بين التعليق العربي، الذي يسمح بالعاطفة والاستطراد والبلاغة، وبين نمط التعليق الإنجليزي الأكثر “سريريا” أو وصفيا. هذه نقطة مهمة، لكنها تبقى انطباعية أكثر من كونها مقارنة بحثية منهجية.

 * التعليق يرتبط بالهوية والنوستالجيا

المقال لا يعرض التعليق بوصفه ظاهرة إعلامية فقط، بل بوصفه جزءا من الذاكرة الجماعية العربية. أصوات مثل عصام الشوالي وحفيظ دراجي ترتبط عند كثيرين بذكريات العائلة، الصيف، وكأس العالم، أي أن الصوت نفسه يصبح جزءا من التجربة الثقافية.

* المقال يحتفي بالمعلقين العرب كصانعي معنى

الفكرة الأعمق أن المعلق لا يشرح المباراة فقط، بل يمنحها معنى عاطفيا وتاريخيا. الهدف لا يبقى هدفا، بل يصبح “لحظة”، و”مجد”، و”تاريخ”، و”ذاكرة”.. هنا يظهر التعليق كنوع من السرد الثقافي حول البطولة والنجومية والانتماء!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى