شوقية عروق منصور: “مريم” بين الناصرة ورام الله!

 

قيل إن اسم “مريم” آرامي، ومعناه العابدة والمتعبدة التي تخدم في بيوت الله. وقيل إن معناه في السريانية المرتفعة، ومرارة البحر، والسيدة، والمحبوبة، والطاهرة، والنقية.

وقد ورد اسم “مريم” في القرآن الكريم، “مريم بنت عمران”، وخصصت لها سورة كاملة في كتاب الله “سورة مريم”.

وتصور الاناجيل “مريم العذراء” بصورة المرأة المؤمنة المتواضعة والطائعة لله. وقد اختارها الله بأن أرسل الملاك وبشّرها بأنها ستلد يسوع.

لست أحمل فوق الكلمات تفسيراً لمعنى “مريم” لأن الرسالة التي حملتها السيدة الطاهرة “مريم العذراء” أكبر من كل التفسيرات. لكن عندما رأيت اسم “مريم” يقف شامخاً فوق مؤسسة فلسطينية تمتد جذورها من تحت تراب الناصرة لتلتقي الجذور في عمق تربة داخل بيت حجري، يصافح الواقع الفلسطيني المتعب الذي يحكي حكاية قهر في زمن يكسوه غبار الحرب والنظرات الإنسانية المكسورة.

في مدينة رام الله كان اللقاء في “مؤسسة مريم لمكافحة السرطان” العنوان: المصيون بجانب فندق الكرمل.. بصراحة لم أسمع عن هذه المؤسسة سابقاً، لكن عندما التقيت مع المبادر لهذا المشروع والدينامو المحرك لجميع النشاطات والفعاليات الشاب “محمد حامد” من مدينة الناصرة. وكانت المفاجأة أنه ابن صديقتي “عبلة”، التي هي في ذات الوقت بنت صفي وجارتنا في حارة “الميدان” في مدينة الناصرة. وقد بعّدت بيننا المسافات، لكن بقيت الأرواح تتلاقى عبر اللقاءات الخاطفة والمناسبات العامة. والمفاجأة الأكبر أن هذا الشاب رغم صغر سنه استطاع أن يُهدي المجتمع الفلسطيني مؤسسة، تطرق أبواب أصعب وأهم الأمراض التي أخذت تنتشر بسرعة البرق، وتهدد حياة البشر الذين يقفون بالطوابير لنيل العلاج، فكيف بمجتمع فلسطيني فقير يعاني من عدم وجود الميزانيات ومن غياب المراكز والمستشفيات المتخصصة بهذا المرض اللعين؟!

عندما رأيت وسمعت “محمد” يشرح عن “مؤسسة مريم” نظرت إلى السماء الزرقاء التي رغم تعب الحواجز العسكرية وحرارة الطقس، كان الجالسون يشعرون بأن التاريخ يصغي متسللاً من بين الحجارة القديمة هاتفاً مردداً: “هؤلاء أبنائي”!

مبنى بُني على الطراز الفلسطيني، مصفح بحجارة من الصوان، حيث تشعر أن الذي قام ببنائها ليس فقط يملك العين الهندسية، بل يملك نبض القلب، مع كل حجر من الصوان كان الحجر يشهق فرحاً من شدة العناية به، فيخرج متقناً ممسكاً بيد الحجر الآخر.

أما النوافذ فكانت مطلية باللون الزهري، اذ ارتبط مرض السرطان باللون الزهري في أوائل التسعينات، عندما انتشر استخدام الشريط الوردي، حتى أصبح رمزاً عالمياً للتوعية بسرطان الثدي. ويضم المبنى بين جدرانه تطلعات وأحلاما تسعى لتخفيف الألم عن المرضى، ومكتبة متواضعة فيها المنشورات والشعارات.

بهدوء.. كانت كلمات “محمد” تنطلق من طموح وتصميم على عمل الخير والسعي لنهضة مجتمعنا الفلسطيني في هذا المجال البعيد عن اهتمام الكثيرين.. وتساءلت: هل هذا الشاب “محمد” ينتمي إلى جيل العنف الذي نعيش بين جوانبه؟ العنف الذي حول مجتمعنا إلى مستنقعات من الدم والخوف واليتم والأوجاع والصراخ.

حين نسأل “محمد” عن البدايات يكون الألم ذلك السلم السري الذي يفتش في الذاكرة عن الصور،  فيصل إلى 10 أيلول سنة 2004 حين توفيت شقيقته “مريم – أو الملاك الصغير” بعد صراع طويل مع مرض السرطان، كانت خلال الأشهر في مواجهة الموت، حرباً قاسية تدور رحاها في ظل الانتظار القاسي، الذي كان يحفر في روح العائلة آمالاً وهمية  تشق طرق الشفاء. ومع أن “محمد” الأخ الأكبر أبن الخامسة عشرة كان يرافق أخته متأبطاً ألمها، إلا أن عينيه كانتا شاهدتين على ما يحيط العائلات الفلسطينية التي ترافق أولادها من وجع الانتظار والمواقف الصعبة وأحياناً غياب العلاج اللازم.

وتموت الطفلة، الأخت “مريم”، ويقرر محمد” أن يعمل شيئاً لذكراها، وتعهد لنفسه “أن لا يسمح لأي مريض سرطان أن يمر بما مرت به أخته”. وعندما وصل إلى السن القانوني لتأسيس “مؤسسة خيرية”، بدأ التحضير ووصلت سنة 2012 حيث أنطلق مشروع “مؤسسة مريم لمكافحة السرطان”.

بين الناصرة ورام الله يطل وجه السيدة، الأم الرؤوم “مريم” التي جعلت من مدينة الناصرة خيمة محبة وعطاء.. وكانت رام الله البيت الذي جمع الوجع الفلسطيني، وأخفى بين جدرانه دموع الأهالي الذين يعيشون في أزقة الخوف من الموت.

في ساحة مركز “مؤسسة مريم” لمحت النشرة، التي تتحدث عن المشاريع التي قامت بها المؤسسة:

أ – دعم مرضى السرطان مادياً ومعنوياً ، تأمين العلاجات خارج التأمينات الصحية ، المرافقة اليومية للمرضى الأطفال في المستشفيات ، وقد قامت المؤسسة ببناء علاقات وطيدة مع العديد من المستشفيات والمؤسسات الصحية، حتى أصبحت الجسم الرسمي المهني التي تعتمد عليه هذه الاجسام.

ب- تساهم “مؤسسة مريم” بالعمل الجماهيري لرفع الوعي للسرطان وأهمية الكشف المبكر، من خلال محاضرات وندوات طبية تُعطى من قبل طباء مختصين في المدارس والنوادي ولكل شرائح المجتمع.

ت- مشروع المرافقة اليومية لمرضى السرطان الأطفال في المستشفيات، وهو أحد أهم مشاريع المؤسسة علاجات سرطان الأطفال قد تطول لأسابيع وأحياناً أشهر، خلال هذا الوقت قد لا تتمكن عائلة المريض أن تتواجد بجانب أبنها طيلة ساعات النهار، فلديهم التزامات أخرى وأعمال أو لأخذ قسط من الراحة. لذلك يكون المرافق الأساسي هو الاعتناء بالأطفال خلال هذه الفترة ، غرس البهجة والفرح في قلوب الأطفال، اللعب معهم بين جلسات العلاج الكيماوي.

ث- يقدم مشروع صندوق “مريم” لمساعدات المالية لشراء الأدوية خارج السلة والعلاجات من خلال التعاون مع صناديق المرضى والمستشفيات، مع العلم أنه مول هذا المشروع شراء معدات طبية حديثة للمستشفيات ومنها جهاز “المموجرافيا” للكشف المبكر عن سرطان الثدي لمستشفى العائلة المقدسة في الناصرة.

ج- ترجمة الكراريس والمعلومات الطبية التي توزع على أهالي الأطفال، الذين يمكثون في المستشفيات من اللغة العبرية إلى العربية.

ح- اصدار أول قصة أطفال باللغة العربية عن مرض السرطان وهما: “نمور البطل الصغير” و”قصة “ضفيرة أمي”، اللتان تطرحان التجربة العلاجية والنفسية للطفل مريض السرطان.

وبالنسبة لقطاع غزة: منذ اليوم الأول للحرب كثفت مؤسسة “مريم” جهودها لمساعدة مرضى السرطا، من خلال توفير العلاج وبذل الجهد لإخراج المرضى الذين يعانون حالات حرجة لتلقي العلاج خارج غزة ، وتوفير الرعاية الصحية المتقدمة التي يحتاجونها، عدا عن ذلك اطلاق حملات لتوزيع الطعام وتوفير المياه الصالحة بالشرب .

أنشأ قبل مدة في الولايات المتحدة فرعاً بعنوان “أصدقاء مريم”، وهناك هدف إنشاء فروع مماثلة في الكثير من دول العالم لحشد الدعم لمرضى السرطان وجعل هذه المؤسسة عالمياً.. وداخلياً هناك من يدعم لكي تبقى “مؤسسة مريم” عنواناً لآخر قلاع الإنسانية – مساعدة المرضى، لأننا دخلنا غابات التوحش وأصبح الخروج من الغابة بحاجة إلى معجزة ربانية.

شعار مسيرة ” مؤسسة مريم” أن لكل فلسطيني الحق في العلاج والرعاية الملائمة، ولقد أخذت “المؤسسة” على عاتقها إنقاذ الحياة، في زمن هناك من يسرق الحياة ويغتالها، والمؤسف أن الذي يغتال الحياة يفتخر علناً أمام الكاميرات بإطلاق الرصاص ويبتهج كلما ازداد عدد أرقام القتلى.

الف الف تحية لك يا “محمد حامد ” ابن الناصرة، الذي جاء إلى مدينة رام الله وكانت “مريم” الحُلم الذي قرر أن يجعل منه حضناً لكل من يتألم… وطوبى للذين يضيئون المجتمع بمصابيح التفاؤل!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى