د. رافع يحيى: فصل المقال… خارج السِّرْب

!
أكتبُ إليكم من إربد، عاصمةِ الشَّمال، حيثُ التقيتُ بمفكِّرين ومثقَّفين من مختلف أرجاءِ العالم العربي. هناك أدركتُ، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، أنَّ الأمم لا تُقاس بكثرة مناصبها، بل بعمق أفكارها، وأنَّ الإنسان يبقى بما يتركه في العقول، لا بما يُعلَّق على كتفيه من ألقاب.
كلُّ لقاءٍ مع صاحب فكرٍ حقيقيٍّ يؤكِّد أنَّ معركة الوعي هي المعركة الوحيدة التي تستحقُّ أن تُخاض. أمَّا ما عداها، فكثيرٌ منه ضجيجٌ يعلو ثم يخبو، ويترك خلفه فراغًا أكبر من حضوره.
لقد علَّمنا التَّاريخ أنَّ السِّياسة، إن لم تكن مبنيَّةً على فكرٍ ورؤيةٍ وثقافة، تحوَّلت إلى إدارةٍ للمصالح لا صناعةٍ للمستقبل، وإلى خطابةٍ جوفاء لا تحمل مشروعًا حضاريًّا. فالفكر هو الذي يمنح السِّياسة معناها، والثَّقافة هي التي تمنحها أخلاقها، أمَّا المناصب وحدها فلا تُنتج إلَّا سلطةً مؤقَّتة.
لهذا، فإنَّ التَّغريد خارج السِّرب ليس نزوةً، ولا استعراضًا، بل موقفٌ فكريٌّ يرفض أن تتحوَّل الكلمة إلى تابعٍ للكرسي، أو أن يصبح المثقَّف ظلًّا للمنصب. فالمثقَّف الحقيقيُّ يقود الوعي، ولا ينتظر أن تقوده الألقاب.
وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ ستبقى هناك نفوسٌ أسرت نفسها للحسد، وأغلقت نوافذها أمام النُّور، حتى غدا الحوار معها دورانًا في حلقةٍ لا نهاية لها. والحكمة ليست في أن ننتصر في كلِّ جدل، بل في أن نعرف أيَّ المعارك تستحقُّ أعمارنا، وأيَّها لا يستحقُّ دقيقةً واحدة.
إنَّ التَّواضع قيمةٌ عظيمة، لكنَّه لا يعني التَّنازل عن القناعة، ولا خفض سقف الفكر لإرضاء من لا يريد أن يرتفع. فاحترام الإنسان واجب، أمَّا مساواة المعرفة بالجهل، والرؤية بالعشوائيَّة، فظلمٌ للطرفين.
ولذلك سيبقى اختياري منحازًا إلى الثَّقافة؛ لأنَّها وحدها القادرة على صناعة الإنسان، والإنسان هو الذي يصنع الدَّولة، والسِّياسة، والاقتصاد، والحضارة. وما لم يبدأ البناء من العقل، فلن يستقيم البناء على الأرض.
قد يربح آخرون منصبًا، وقد يصفِّق لهم الناس زمنًا، لكنَّ الأفكار وحدها هي التي تعبر الأجيال. فالمناصب تنتهي بانتهاء أصحابها، أمَّا الكلمة الصَّادقة فتمضي من جيلٍ إلى جيل، تُضيء عقلًا، وتوقظ ضميرًا، وتفتح نافذةً نحو مستقبلٍ أفضل.
ولهذا سأبقى خارج السِّرب، لا لأنَّني أبحث عن الاختلاف، بل لأنَّني أبحث عن الحقيقة. فالطُّرق المزدحمة ليست دائمًا هي الطُّرق الصَّحيحة، والقمم لا يبلغها إلَّا الذين امتلكوا شجاعة السير وحدهم حين كان الجميع يسير في الاتِّجاه الآخر.
في النِّهاية، لا يسأل التَّاريخ الإنسان: أيُّ منصبٍ شغلت؟ بل يسأله: أيُّ فكرةٍ تركت؟ وأيُّ أثرٍ أبقيت؟ وما دام الأثر يُصنع بالفكر، فستبقى الثَّقافة خياري الأوَّل والأخير، وسأظلُّ أغرِّد خارج السِّرب. وهنا اسمحوا لي أن أعتذر من الأحبّة والمحبّين الّذين تمنّوا أن يروني في هذا المنصب أوذاك.
** إربد/ الأردن
الثانية عشرة ليلًا
28/ تموز/ 2026

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى