“تل” تفجر الرواية الإسرائيلية.. جنرالات ومحللون يحملون الاستيطان مسؤولية الدماء

** كتب الصحفي محمد محسن وتد

لم تعد أحداث بلدة تل، جنوب غرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة، مجرد مواجهة دامية أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل ضابط وجندي إسرائيليين، بل تحولت إلى أزمة داخلية هزت الرواية الرسمية الإسرائيلية، بعدما خرج محللون عسكريون وقادة أمنيون سابقون بانتقادات غير مسبوقة، حملوا فيها المستوطنين ومشروع الاستيطان مسؤولية ما جرى، وشككوا في الرواية التي تبناها الجيش والحكومة.

وتشير المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن الفلسطيني الذي نفذ عملية إطلاق النار تمكن من انتزاع سلاح أحد المستوطنين، قبل أن يطلق النار على الجنود والمستوطنين الذين اقتحموا أرضه في بلدة تل واعتدوا على السكان الفلسطينيين، ما أدى إلى مقتل ضابط وجندي إسرائيليين، فيما انتهت المواجهة باستشهاد أربعة فلسطينيين.

ومع مرور الوقت، بدأت تتكشف روايات مغايرة للرواية الرسمية، وسط تصاعد الانتقادات داخل إسرائيل بشأن طريقة إدارة الحدث، والدور الذي لعبه المستوطنون في إشعال المواجهة.

** روعي شارون: ما جرى لا يمكن تجاهله

محلل الشؤون العسكرية والأمنية في القناة 11 الإسرائيلية، روعي شارون، اعتبر أن ما حدث يشبه في أهميته الإخفاقات التي سبقت حرب أكتوبر (الغفران)، مؤكدا أن محاولة تجاهل القضية إعلاميا لم تصمد سوى ساعات قبل أن تفرض الوقائع نفسها.

وقال إن ما تبين خلال أقل من 48 ساعة يناقض الرواية الأولى بالكامل، موضحا أن من جرى وصفهم بـ”المتنزهين” كانوا في الواقع ناشطين من اليمين المتطرف وصلوا إلى المنطقة وهم مسلحون بهدف إثارة الاحتكاك، كما أن الحديث عن وجود تنسيق مع الجيش لم يكن صحيحا.

وأضاف أن ما وصف بأنه زيارة إلى مزرعة جلعاد الاستيطانية كان في الحقيقة دخولا إلى قرية فلسطينية تقع ضمن المنطقتين (أ) و(ب)، مشيرا إلى أن التحقيقات أظهرت أيضا أن أحد الإسرائيليين القتلى أصيب بنيران إسرائيلية، وأنه لن يستغرب إذا تبين أن مستوطنين أطلقوا النار بصورة عشوائية، وهم أنفسهم الذين ظهروا في تسجيلات مصورة وهم يهتفون: “انتقام… انتقام”.

ورغم تأكيده أنه لا يبرر العنف من أي طرف، خلص شارون إلى أن المزارع والبؤر الاستيطانية أصبحت عبئا أمنيا، وأن اليمين المتطرف يعرض حياة الإسرائيليين للخطر ويدفع الجيش إلى مواجهات لا ضرورة لها.

** غادي شمني: مشروع الاستيطان هو من قتل يوفال عزرا

أما القائد السابق للمنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي شمني، فذهب إلى أبعد من ذلك، محملا مشروع الاستيطان نفسه مسؤولية مقتل الإسرائيلي يوفال عزرا.

وقال شمني: “ما قتل يوفال عزرا هو مشروع الاستيطان”، مضيفا أن السؤال حول هوية مطلق النار ليس هو القضية الأساسية، بل إن المسؤولية تقع على كل من دعم ومول ورسخ هذا الواقع الاستيطاني على مدار 59 عاما، ولا سيما خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وتعكس تصريحات شمني انتقادا مباشرا للسياسات الحكومية، معتبرا أن التوسع الاستيطاني لم يعد يشكل عبئا سياسيا فقط، وإنما تحول إلى مصدر تهديد أمني للإسرائيليين أنفسهم.

** ألون بن دافيد: المستوطنون هم من بدأوا الأحداث

من جانبه، قدم المحلل العسكري في القناة 13 الإسرائيلية، ألون بن دافيد، رواية تتقاطع مع ما طرحه شارون وشمني، مؤكدا أن عشرات المستوطنين، وبينهم أطفال، دخلوا إلى المنطقة (أ) وهم يعلمون طبيعة المكان، ومن دون أي تنسيق مع الجيش الإسرائيلي، بهدف إثارة الاحتكاك مع الفلسطينيين.

وأوضح أن سكان بلدة تل لم يخرجوا لتنفيذ هجوم، بل بدأت الأحداث بعد دخول المستوطنين إلى القرية، لتتطور المواجهة تدريجيا إلى اشتباكات عنيفة ثم إلى تبادل لإطلاق النار.

وانتقد بن دافيد إعلان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، عزمهما المصادقة على إقامة المزيد من المزارع الاستيطانية ردا على الحادثة، قائلاً إن “المزارع الاستيطانية نفسها هي مصدر الفتنة في هذه القضية”، وإن الرد على الأزمة بتوسيع الاستيطان يعني تجاهل أسبابها الحقيقية.

وأضاف أن هذا السيناريو بات يتكرر بصورة شبه دائمة، إذ يدخل مستوطنون إلى القرى الفلسطينية لإثارة الاحتكاك مع السكان، ثم تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة، في ظل عجز واضح من الجيش الإسرائيلي عن احتواء الموقف.

كما انتقد أداء المنظومة الأمنية الإسرائيلية، معتبرا أن الشرطة غائبة عن الضفة الغربية، وأن جهاز الأمن العام “الشاباك” لا يتعامل بجدية مع ما وصفه بـ”الإرهاب اليهودي”، الأمر الذي يفاقم حالة الانفلات ويزيد احتمالات تكرار مثل هذه الأحداث.

** تصدع في الرواية الرسمية

تكشف المواقف الصادرة عن شخصيات عسكرية وإعلامية إسرائيلية بارزة عن تصدع واضح في الرواية الرسمية للأحداث، إذ لم يعد الجدل يدور حول تفاصيل الاشتباك فحسب، بل امتد إلى تحميل مشروع الاستيطان ذاته مسؤولية خلق بيئة دائمة للاحتكاك والعنف.

وفي الوقت الذي تتمسك فيه الحكومة الإسرائيلية بروايتها وتلوح بتوسيع الاستيطان ردا على ما جرى، تتزايد داخل إسرائيل أصوات ترى أن ما حدث في بلدة تل ليس حادثا استثنائيا، بل نتيجة مباشرة لسياسات الاستيطان والبؤر العشوائية التي تفرض احتكاكا دائما مع الفلسطينيين.

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى