نمر سعدي / فلسطين: قصائد بلا لون ولا رائحة

في إحدى حوارياته التلفزيونية الممتعة قال الشاعر والناقد اللبناني المبدع الدكتور محمد علي شمس الدين أن تسعين بالمئة من الشعر الحديث يصلح أن يكون شعيراً يُقدَّم للدواب.
يحضرني قوله كلما طالعتنا تلك النصوص الرديئة التي طفرت بها فضاءات السوشيال ميديا. ألم نتعب ونمل من آلاف أو ربما مئات الآلاف من القصائد الركيكة التي يجلدنا بها فيسبوك وغيره من المواقع والممالك الشعريَّة المتهالكة؟! بلى تعبنا حد الكلال ومللنا من نوع القصائد والنصوص الجافة، الباردة، ذات طعم الكاوتشوك الممضوغ، تلك القصائد والنصوص الخالية من اللون والرائحة ومن المشاعر والعاطفة والحنين واللهفة والتمرُّد والفرادة والانقلاب على الذات، كأنها أوراق صفراء تبعثرها الريح أو حجارةٌ مرميَّةٌ في وادٍ بعيد أو تماثيل تتوسَّط ساحة عامَّة في مدينة بحرية، القصائد والنصوص التي تفتقر إلى الصدق الفنِّي والموهبة والإحساس بالقلق أو الفرح أو الخوف الفطري والتعبير عن لواعج النفس وأشواقها، ونزعاتها وأحلامها ورغباتها، والتي تعاني من فقر الدم والجفاف العاطفي والتبلُّد الروحي العميق. الشعر الخالي من المشاعر يُعرف في النقد الأدبي بـالشعر الجاف أو شعر الصنعة، وهو نوع من النظم يركز فقط على القوالب النثرية الجاهزة وأحيانا على الوزن والقوافي وكأنه نوع جديد من الكليشيه، وينزع نحو زيادة الجفاف الذهني والفلسفي داخل القصيدة مما يطمس روح الشِعر وماء العاطفة في النص الشعري، فيأتي سطحيَّا أجوفَ مفرغا من الروح وصدق الإحساس يابساً لا أثرَ فيه لماء اللغة والوجدان.
القصائد الخالية من القلق والتمرُّد والاستفزاز والغموض والدهشة هي نصوص أدبية فيها من الرداءة والركاكة والتفاهة والسطحية ما فيها، تُبثُّ فيها الطمأنينة وتُبدَّد المخاوف والرغبات والاشتهاءات والأحلام، هي بمثابة نصوص عامَّة جدا، متشابهة جدا، باردة إلى أبعد الحدود، تصيب قارئها بالضجر، ولا تثير أي مشاعر وتمجُّها النفس خلال لحظات، يمكن أن تنطبق على أي شخص أو أي موقف أو مناسبة، دون خصوصية ما للتجربة أو بصمة شخصيَّة ذات فرادة وتميُّز. ومنصاتُ الشعر الرديء ومهرجاناته تزداد انتشارا وترِّوج لها فضاءات الميديا الجديدة بتبجُّح وصلف ورياء ظاهر. والشعر الرديء هذا هو عمل يفتقر إلى التوافق بين الشكل والمضمون، وينتج غالباً عن استسهال الكتابة، أو ضعف الإيقاع، أو غياب الصدق والعاطفة الحقيقية، ليصبح النص سطحياً باهتا ممجوجا وبلا أثر. يتسلَّق بعض “الشعراء” على القضايا والمناسبات العامة لإنتاج أدب مبتذل، بينما تسقط هذه النصوص مع مرور الزمن بفضل ذائقة القراء.
القصيدة الحقيقية تُقاس بمدى قدرتها على إيصال الإحساس الصادق إلى المتلقي وملامسة وجدانه، بغضِّ النظر عن مدى تعقيد مفرداتها ومعانيها.
في الثمانينيَّات والتسعينيَّات كانت بعض المجلات تحشد كمَّاً هائلا من نصوص القرَّاء والشعراء الهواة لا لسببٍ مقنعٍ سوى حرصها على انتشارها وحرص هؤلاء المتابعين على اقتنائها. الآن تمتلئ الفضاءات الرقميَّة بهكذا كتابات تفتقد للمسحة الشخصيَّة والبصمة الخصوصيَّة والفرادة.
الإبداع أفق مفتوح وعالم متغيِّر لا جمود ولا نمطية فيه، ولا مجال للمقارنة بين الأشكال الشعرية لأن المناخات الأولى تبدَّلت والزمن تغير.. سيقول قائل: هل لدينا شاعرٌ بأهمية المتنبي.. أو شوقي أو الجواهري أو السيَّاب؟!دائما كنت أقول أن عصر الشاعر الفرد والنجومية الشعرية قد انتهى بلا رجعة.. كما أن للمتنبي خصوصيته وعبقريته في زمنه كما لأحمد شوقي وللجواهري وللسياب والبياتي ونزار قباني ودرويش وسعدي يوسف وغيرهم الكثير.. كل شاعر يختلف عن الآخر.. كل شاعر له بصمة روحيَّة معيَّنة وبالغة الخصوصية والفرادة، ومسألة الالتزام بشكل شعري واحد على حساب شكل آخر والتفوق والإبداع فيه انتهت منذ أكثر من نصف قرن.
** الكاتب نمر سعدي من بسمة طبعون الواقعة شرق مدينة حيفا، وهي قرية جليلية معروفة بجمال موقعها.
يتميز شعر نمر سعدي بقدرة على التعبير اللغوي، والتصوير الفني على حد سواء، متكئًا، في هذا وذاك، على خيال جامح منفتح على الاتجاهات كافة، يمتح من تناصات ذات حمولات متعددة، موروثات ثقافية، وإشارات إيحائية، وأخرى رمزية وأسطورية، منها الخاصة، عربية وشرقية، ومنها العامة، أجنبية وغربية، تحيل إلى دلالات متعددة، قد تنأى عن كل ما هو نمطي أو متعارف عليه، أي وفق المنظور الحداثي، ولا يعدم القارئ في ثنايا شعره فكرًا وذوقًا وإحساسًا ومعرفة ورؤيا. تنصتُ أشعارُهُ لهموم التجربة الحياتية وتزخمُ بالموسيقى الهادئة.
نمر سعدي واحد من أصحاب الأصوات الجديدة في الساحة الشعرية الفلسطينية، لما يمتاز شعره به من طاقة إبداعية، وغزارة في النتاج، ومخزون ثرٍّ من الموضوعات المتعددة، وهو يكتب قصيدة التفعيلة، ومن حين لآخر، أيضًا القصيدة العمودية، وقصيدةَ النثر. كرَّمته مؤسَّسة الأسوار في عكا عام 2007.
الدواوين الشعرية:
عذابات وضَّاح آخر / 2005 / مطبعة فينوس/ الناصرة
موسيقى مرئية / 2008 / منشورات مجلة مواقف/ الناصرة
كأني سواي / 2009 (ديوان في ثلاثة أبواب / 1 كأني سواي / 2 نقوش على جناح نورسةٍ زرقاء/ 3 أزهار أولى) منشورات دائرة الثقافة العربية / دار الوادي للنشر والتوزيع / حيفا
يوتوبيا أنثى / 2010 / منشورات مركز أوغاريت للترجمة والنشر / رام الله
ماء معذَّب / 2011 / منشورات مجلة مواقف / الناصرة
وقتٌ لأنسنةِ الذئب / 2014 / دار النسيم للنشر والتوزيع/ القاهرة / مصر
تشبكُ شَعرها بيمامةٍ عطشى / 2014 / دار النسيم للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
وصايا العاشق / 2014 / دار النسيم للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
موسيقى مرئية / طبعة ثانية / 2015 / دار سؤال/ بيروت / لبنان
رمادُ الغواية / 2017 / نادي الباحة الأدبي / المملكة العربية السعودية / بالتعاون مع دار الانتشار العربي / لبنان
استعارات جسديَّة / 2018 / دار العماد للنشر والتوزيع ومركز عماد قطري للإبداع والتنمية الثقافية / مصر
تقاسيم على مقام الندم / 2019 / روافد للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
استعارات جسديَّة / طبعة ثانية / 2021 / دار دلمون الجديدة للنشر والتوزيع / دمشق / سوريا
نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار / 2021 / وزارة الثقافة الفلسطينية / رام الله
ظلالٌ مضاعفةٌ بالعناقات / 2024 / دار راية للنشر والترجمة / حيفا
ساعي بريدِ اللهفة / 2025 / دار النهضة للطباعة والنشر / الناصرة
سرابُ التباريح / 2026 / دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر / كفر مندا
المؤلفات النثريَّة:
غبارُ الوردة (نثر) / 2019 / روافد للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
كحلُ الفراشة (نثر) / 2019 / روافد للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
بيتٌ لغيمِ النوارس (نثر) / 2023 / دار كنعان للدراسات والنشر / دمشق / سوريا
تُرجمت له عدة قصائد الى اللغات الانجليزية والرومانية والصينية والعبرية، ونشر قصائده ومقالاته في الكثير من المواقع الأدبية والثقافية على الشبكة العنكبوتية مثل كيكا والندوة العربيَّة والحوار المتمدِّن والمثقَّف وديوان العرب وجماليا ومركز النور، وفي المجلات والصحف المحلية مثل الشرق ومواقف والإتحاد وكل العرب والأخبار وفصل المقال والحياة الجديدة بالإضافة إلى نشرهِ في مجلات وصحف العالم العربي المرموقة مثل الدوحة القطرية والنهضة السورية والأهرام المصرية والقدس العربي وعكاظ السعودية والخليج الاماراتية والعرب اللندنية والعربي الجديد والنهار اللبنانية وغيرها.
كما أنَّ لمجلة الكلمة الالكترونية التي تصدر في لندن ويحرِّرها الناقد المصري الكبير الدكتور صبري حافظ دوراً هاماً في التعريف بتجربة نمر سعدي الشعريَّة من خلال نشرها لقصائدهِ ونصوصه النثرية ودواوينه.
مؤلفات نقديَّة عن نمر سعدي
ذاكرة لازورديَّة “قراءات وشهادات في تجربة نمر سعدي الشعريَّة” لمجموعة من المؤلفين / دار روافد للنشر والتوزيع / 2019 / مصر
جسدُ الماء ورقرقةُ القصيدة “قراءات وشهادات في تجربة نمر سعدي الشعريَّة” لمجموعة من المؤلفين / دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر / كفر مندا.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى