أ. د. وجيه ظاهر / الناصرة: التاريخ والقدسية والبطولة في قصيدة ايمان مصاروة “ثالوث الحب المقدس”

خلفية:

ديوان “ثالوث الحب المقدس” صادر عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، كفر مندا، سنة 2022. يتكون الديوان من 41 صفحة من القطع المتوسط، وفيه ترجمة للغة الإنجليزية، وهو قصيدة واحدة طويلة. الديوان/القصيدة يتكون من 3 أجزاء تفصل بين كل جزءين متتاليين ثلاث نجمات “* * *”. الجزء الأوّل هو نص عن مدينة القدس (13 صفحة)، الجزء الثاني هو نص عن مدينة الناصرة (11 صفحة)، والجزء الثالث هو نص عن مدينة بيت لحم (16 صفحة)، وهناك 3 صفحات هوامش (32 هامشا او ملاحظة).

 

 

بدأت الشاعرة ايمان مصاروة الحديث عن مدينة الناصرة بنص يدل على انتقالها إلى الحديث عنها، وكذلك حين انتقلت للحديث عن مدينة بيت لحم. أحيانا الجزء الواحد يحوي اقساما يفصل بينها هي الأخرى ثلاث نجمات، فجزء القدس يتكون من 4 أقسام، وجزء الناصرة مثلا يتكون من 4 أقسام، وجزء بيت لحم يتكون من 4 اقسام.

مقدمة:

القصائد في الأمكنة التي عاشها الشاعر قيلت منذ القدم، وهو قدم وعي الإنسان للمكان وصفاته وتأثيره عليه، فها هي ميسون بنت بحدل، الشاعرة البدوية التي تزوجها معاوية بن أبي سفيان، فأصبح منزلها حاضرة الشام، تشتاق إلى مكانها الأول، فتقول: “لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إلى من قصر منيف”. هي اشتاقت ليس فقط لبيتها بل لكل المكان الذي تركته خلفها في البادية.

قيل الشعر في المدن، وخصوصا المدن المقدسة، وقد بدأ منذ بدأت المدن تأخذ مكانها ومكانتها لدى الناس وفي وجدانهم. وتعتبر قصيدة حسان بن ثابت في رثاء الرسول قصيدة في وصف المدينة المنورة أيضا: بِطَـيْبَةَ رَسْـمٌ لِلـرَّسُـولِ وَمَـعْـهَـدُ … مُـنِـيرٌ وَقَـدْ تَـعْـفُو الـرُّسُـومُ وَتَـهْـمُـدُ. استمر الشعراء يكتبون القصائد في المدينة. عبد الفتاح مغفور (2019) يقدم قصيدة في شأن المدينة المنورة للأديب ابن جابر الأندلسي الذي توفي سنة 780 هـ.

النقد الأدبي تناول الشعر في المدن، مختار علي أبو غالي (1995) تحدث في كتابه “المدينة في الشعر العربي المعاصر” عن تطرق الشعر العربي للمدن من جوانب مختلفة، مثل جانب الاغتراب للقادم من الريف إلى المدينة، والجانب الاجتماعي والوعي المحدث، والجانب السياسي والأنماط الرمزية للمدينة. بالإضافة إلى ما تقدم، عبده بدوي (1988) وضع قصائد المدن في ثلاثة محاور هي المدينة العربية والمدينة الأجنبية والمدينة الحلم.

عبد الرزاق حسين (2004) تناول الشعر في مدينة مكة. تعرض الكاتب في القسم الأول من كتابه إلى كتابة الشعر في مدينة مكة في عصور الشعر المختلفة، في العصر ما قبل الإسلام وبداية الإسلام والأموي والعباس، والعصر الوسيط وفي الشعر الحديث والمعاصر. في الجزء الثاني من كتابه تعرض الكاتب إلى أنواع الشعر التي قيلت في مكة: الفخر والمديح والوصف والحنين. في الجزء الثالث من كتابه، تعرض الكاتب الشعر الذي قيل في أحداث مكة وفي الجزء الرابع تعرض إلى خصائص وسمات الشعر الذي قيل   في مكة، أما في الجزء الخامس فقد تعرض إلى شعراء العشق المكي.

كتب الشعراء العرب عن المدن الثلاث: القدس، بيت لحم والناصرة. كتبوا عن مدينة القدس، وخصوصا بعد النكبة وعلى الأخص بعد احتلالها سنة 1967، وممن كتبوا عنها الشاعر المصري علي محمود طه، في قصيدته “فلسطين”، وكذلك كتب عنها الشاعر السوري عمر أبو ريشة في قصيدته “عروس المجد”، وعاصي ومنصور الرحباني في قصيدتهما “زهرة المدائن”، وآخرون كثيرون.

كتب الشعراء أيضا عن مدينة بيت لحم، مثل ايلين مارون التي كتبت قصيدة “افرحي يا بيت لحم”، ورانية مرجية التي كتبت قصيدة “بيت لحم … حين تنهض الأرض بوجوه النساء”، وآخرين. بالنسبة إلى مدينة الناصرة، تناولها الشعراء، مثل سليمان المشيني في قصيدته “سلام على الناصرة” وأحمد دحبور في قصيدته “وردة الناصرة”، وآخرين.

 

المدن الثلاث في مرآة القصيدة الطويلة “ثالوث الحب”:

مدن ثلاث تتداخل الشاعرة فيها وتتماهى معها لتعبّر عن حالات شعورية ووجدانية تجاهها. هي مدن مسكونة بالأحزان وبنفس الوقت بالندى وبالنجوم. حالات مختلفة تعتري المدن لتجعلها ما هي، وهي مرتبطة بتاريخها، وكذلك مرتبطة بوجدان الشاعرة التي تكتب المدينة وتكتب عن المدينة.

أدناه سوف نتطرق إلى كل من المدن الثلاث كما عبّرت عنها الشاعرة إيمان مصاروة.

مدينة القدس:

حالات مدينة القدس تجرف الشاعرة (الإنسان الفلسطيني) إليها: “إنّ هذا العالم المسكون بالأحزان/ يجرفني إليك/ وأنت عشي/ وانتمائي للندى” (ص. 7). هذه المدينة ترصعها النجوم الخضر، نجوم تجعل طريق الشاعرة تؤدي إلى ظلال المدينة: “لبستِ اردية النجوم/ الخضر/ واكتمل الطريق إلى الظلال” (ص. 8). هل الشاعرة بهذا تقول بأن ضوء هذه النجوم لم يسطع بعد بشكل كاف ليضيء المدينة، وانما هو كاف فقط ليكوّن ظلالها؟

تتحدث الشاعرة عن نفسها كطفلة فلسطينيّة في القدس تغشى الحرائق، ولكنها لا تحرقها ولا تؤدي إلى موتها وان كانت تؤثر عليها وتدخلها في متاهة، ليست فقط الحرائق تفعل ذلك وانما حالات المدينة المميتة: “فأصبح طفلة بين الحرائق/ لا تموت/ ولا تغافلها المتاهة” (ص. 8).

الشاعرة تتماثل مع طفلة بالقدس، وتتماثل مع أسوارها، تلك الأسوار التي هي جزء من تاريخ المدينة المليء بالصولات والجولات والصهيل: “واندمجت مع الحكاية/ والصهيل يضج في هذي الحروف/ المخملية/ تنشد الأسوار للتاريخ/ أسفار الملاحم/ طافح هذا المكان الفخم/ بالصولات/ والصلوات/ والمجد الأثيل” (ص. 9). تاريخ المدينة يمتد من يبوس وكنعان حتى الحاضر، يمتد عبر تاريخها الطويل وعبر أسمائها الكثيرة (يبوس، سالم، إيلياء، القدس).  هي مدينة مليئة بالألم والمعاناة ولكن أيضا بالحب: “وهذا الحب/ يسري في القلوب/ وفي البساتين الخضيرة/ رغم أنهار الدماء/ ورغم آلاف اللصوص/ السارقين حقولهن/ا فالحب أغنية الحياة” (ص. 11). هذا الحب باق بسبب جذور العز والإيمان وتاريخ المدينة الطويل: “هنا جذور العز والإيمان/ لا شيء انقضى/ فأنامل التاريخ ليست تعرف النسيان” (ص. 12).

الانخراط في التاريخ يبدأ من يبوس ويستمر حتى اليوم، وسنوات المدينة الطويلة هي جزء من تجربة الشاعرة، فهي تحسّ أنها عاشت كل السنوات التي مرت على المدينة: “كأنني من ألف قرن/ كنت في النهر اليبوسي/ أشدو/ إذ تمرّ مواكب الفرسان حولي/ والكرامة لا تزول هنا/ ولا تحني البيارق هامة” (ص. 12).

تؤكد الشاعرة على قدسية القدس، ذاكرة مسرى الرسول والبراق، ونهر المدينة القدسي، والمسجد الأقصى المبارك، وعين سلوان (ص. 13-14).

تؤكد الشاعرة أيضا على صمود المدينة أمام المحتل، مثل صمودها أمام فرعون مصر “أخناتون”، وهي مدينة لا يطالها الظلام بسبب الشموع التي تضيئها كلّ الوقت وبسبب أيدي أهلها ودم شهدائها: “لا ظلام مع الشموع/ إذا أطال الليل سطوته/ ففي الأيدي عروق/ لا تمل من التدفق/ في ميادين الغبار إذا تمادى/ بالدم الزاكي/ وليس يضن بالشذا الشهداء/ كي نبني الحدائق في ملامحنا/ وتنبت في صياصينا/ زهور العنفوان” (ص. 16).

تذكر الشاعرة ملوكا آخرين لم تخضع لهم المدينة، مثل كسرى والإسكندر: “فلا كسرى ولا إسكندر اليونان قد جرّا هنا/ إلا ذيول الخيبة النكراء/ وارتحلا معا في موكب التاريخ/ مهزومين/ في أرض بناها الأنبياء/ بكل ضوء ليس يفتر/ أو يسلم للظلام زمامه” (ص. 18)

القدس هي قدس الأنبياء وقدس ناسها وبطولاتهم وقدس الشاعرة: “أضم تربتها بكل حرارة المعنى المسافر في تخوم الوجد أبصر في الكروم وفي حقول التوت والليمون هالات لمن حملوا هنا نور اليقين”، وكذلك: “إن الأنبياء الغرّ قد مروا من هنا/ وسقوا بساتين القلوب/ بكل أمطار البهاء” (ص. 17).

الناصرة:

الناصرة هي طفولة الشاعرة: “أحبّ ناصرتي التي فيها حبوت/ إلى القصيدة/ بعد أن فتحت عيني في قداستها” (ًص. 19). إذا، من البداية تصف الشاعرة الناصرة بالقداسة، مثلها مثل القدس، حيث القداسة في الناصرة ناتجة عن كونها مهد العذراء مريم وابنها المسيح: “وكلّ شيء من حولي عابق بالطهر/ يقرأ سيرة العذراء/ يمتح من يسوع الناصري النبل/ والدرس العميق عن التسامح” (ص. 20).

تذكر الشاعرة، في نصّها عن الناصرة، أماكن أخرى مثل الجليل وعكا وحيفا: “هذه أرض المحبة/ لا تغيب الشمس عن أحداقها/ إلا لتطلع بالنقاء الناصري/ على بساتين الجليل/ يقص لي مرج بن عامر كل صبح ها هنا/ أحلى الحكايا/ والجمال الغض في عكا وحيفا/ في مدى بصري/ بحيرة طبريا تغفو قريبا/ من رموشي” (ص. 20-21).

للناصرة تاريخ طويل مثل القدس، فهي آبل الكنعانية ولها تاريخ عربي: “تسجل صفحة التاريخ أن مدينتي/ حسناء كنعانية/ تدعى بآبل/ كانت الفرسان تمدح وجهها العربيّ/ تفرش في طرائقها ورود الشعر” (ص. 21).

الناصرة تناوشها المكائد أيضا، مثل القدس: “تغرس في جوانبها السماحة/ والصمود/ لكي تعيش برغم من صنعوا المكائد/حرّة” (ص. 21). تكابد الناصرة عنف الذئاب الذين يحاولون السيطرة على حقولها، ولكنها تصمد أمام هذا العنف: “هذه العذراء في كل المدائن/لم تغادر طهرها/رغم الذئاب الراتعين/على سفوح حقولها/” (ص. 23).

تجعل الشاعرة توفيق زياد، شاعر الناصرة ورئيس بلديتها، رمزا لمعاناة الناصرة، وفي معاناته الوطنية يستظل بدمع الناصرة، مما يزيد إصراره ومقاومته وتحمله للألم (ص. 25). ليس فقط الدمع بل العناق أيضا، فهو توفيق زياد يعانق ما اعترى زيتون الناصرة المسلوب من حزن ومن وجع (ص. 26). تجعل الشاعرة توفيق زياد عنوان صمود الناصرة: “وقاوم/كالنخيل/بغير ما ملل/وما صلبوه/بل ظل المقاتل/في ضمير العاشقين/لأنه رمز الصمود/وشعلة الإيمان/بالأرض السليبة والقضية” (ص. 26). لم يؤثر توفيق زياد فقط على صمود أهل الناصرة بل على صمود كل المدائن: “ما زال يسمع صوته العربي/ في كل المدائن/ينهض الهمم التي نامت/ويوقظ بهجة الأزهار/بين الشوك والآلام”.

معاناة خاصة مرت فيها فتيات الناصرة، فها هي أحلامهن تسقط على مذبح الظلم: “واستباح الظلم أحلام الصبايا/في الجفون الناعسات” (ص. 28). هذه المعاناة لفتيات الناصرة تقترن بمعاناة الشاعرة نفسها: “اسمعتُ ناصرتي الجميلة/بعض ألحان اعتناقي/للجراح/فها هنا حزن المسيح/وصبره الخلاق” (ص. 28). إذا، معاناة صبايا الناصرة تقترن بمعاناة الشاعرة، وكلتاهما تقترن بحزن المسيح، نبيّ المدينة. في الأبيات الأخيرة من نصها عن الناصرة، ترجع الشاعرة إلى ظهورها وحديثها عن الناصرة وعن علاقتها بها: “هكذا أمشي على دربي/وفي الأمجاد ناصرتي/تسير/تسير/سوف تسير دوما/نجمة للعاشقين” (ص. 29).

تعتبر الشاعرة الناصرة عاصمة من عواصم الدنيا، بل هي حسناء بين تلك العواصم: “حسناء تمشط شعرها بين العواصم/حلية في جيدها/قدت من الشجر الأثيل/ومن غصون الكبرياء” (ص. 21)، هي عاصمة من عواصم النبوة: “ثم صارت ما تمنت/حينما طلعت بها شمس النبوة/واستقت من عين مريم/ماءها/وجمالها القدسي” (ص. 22).

تاريخ الناصرة طويل كما هو تاريخ القدس، فقد أتاها الفرس والاغريق والرومان، وكذلك أتاها الصليبيون والمغول، ولكنهم لم يستطيعوا التغلب عليها. الناصرة هي مدينة لا تستسلم: “مدينتي التي انتفضت على الغيلان/لا تخشى الهواجس/مثل زنبقة/تفتح حلمها في جنج ليل/واستوت فوق المياه النائمات/أميرة” (ص. 24).

بيت لحم:

تبدأ الشاعرة نصها عن بيت لحم بحديثها عن علاقتها معها: “وبيت لحم لا تفارق مهجتي” (ص. 29). تذكر الشاعرة علاقتها مع المدينة في أكثر من مناسبة، فهي تملك الذكريات الكثيرة عن بيت لحم: “في بيت لحم ألف ذكرى/كم ترددها فوانيسي/التي أضاءت بطلعة وجهها العربي/في أنحاء خارطتي التي في القلب/مشرعة على الأشواق/أطير كنحلة حول الحروف/وأرشف شهدها الممزوج/بالأحلام/أرسم لوحة في بيت لحم/من وحي ميلاد المسيح هنا/وأذكر للبراءة لونها/الأنقى” (ص. 31)، فذكريات الشاعرة عن بيت لحم تمتزج بأشواقها إليها، وهي تعدها رمزا للبراءة وا لنقاء، ألم تشهد مولد المسيح؟ ألم تشهد مجيء العذراء مريم إليها؟ (ص. 31). يتكرر ذكر المسيح، عيسى بن مريم، فهو رسول الحب فيها، ويصنع العجائب: “يبصر الأعمى بإذن الله/والموتى بإذن الله يحييهم/ويبهر قومه بالمعجزات/ليرجعوا لله/من بعد الضلالة” (ص. 32). بيت لحم بالنسبة للشاعرة عاش فيها شتى الأنبياء، فهي تذكر أيضا يعقوب (ص. 32-33).

تؤكد الشاعرة على التسامح بين أهل الديانتين في بيت لحم: “وهنا التعايش والتسامح والتآخي/بين أهل ديانتين/تقاسما خبز المودة/والتراحم دأبهما/تقيم كنيسة المهد الصلاة/وقربها يعلي الأذان المسجد العمري/تختلط المشاعر/طي ادعية تنادي بالسلام/وبالذهاب معا/على طرق المحبة والوئام” (ص. 38-39).

بعد أن تصف جمالها تذكر أنّ تاريخها كنعاني وأيضا عربي (ص. 30). تقارن الشاعرة بين حكم كسرى وقسطنطين لبيت لحم وبين حكم عمر، وتذكر تسامح عمر ونبله ومحبته (ص. 34). تشدد على أن الإسلام دين الحب وأن النبي محمد كانت دعوته دعوة محبة: “لم يكن النبي محمد/فظا غليظ القلب/فانتشرت بحد الحب دعوته/لتملأ كل الأرض بالإيمان” (ص. 35). كان مهما للشاعرة ان تقارن بين من احتل بيت لحم سابقا وبين العرب الذين أتوها بدين الهداية: “طمع الصليبيون في تهديمها/جاسوا خلال ديارها/ليعربدوا/ويدمروا مهد الجمال/أتاهم يوما صلاح الدين/يرجعهم على أعقابهم/لتسقط راية الطغيان/في هذي الربوع الطاهرات/وكي ترفرف راية الإسلام/حاملة مصابيح الهداية” (ص. 37). إذا، العرب أنقذوا البلاد من الطغيان، مهما اختلفت أنواعه، وردوا إليها سلامها وسلامتها وطمأنينتها.

رومانسية وأكثر

تطرقنا في هذا المقال إلى المعاني الموجودة في ديوان “ثالوث الحب المقدس” للشاعرة إيمان مصاروة، وسوف نتطرق أدناه إلى أسلوبها في ديوان “ثالوث الحب المقدس”، نفعل ذلك في ظل ما ذكرناه سابقا عن نصها في كل من المدن الثلاث. نركز على أسلوبها مع وعينا لا مكانية التقاطع بشكل معين مع ما ذكرناه سابقا.

تتبع الشاعرة الرومانسية في ديوانها، والتي تتجلى في محاور الرومانسية (جعفر، 2025) عبر حديثها عن علاقتها الشخصية مع المدن الثلاث، حديثها عن الطبيعة، والتاريخ والمجد والثورة والحرية، والحب والحنين والمعاناة والألم، وصف جمال المدن الثلاث وكذلك لغة الديوان. نبين أدناه كيف تطرقت الشاعرة إلى كل من هذه الجوانب.

العلاقة الشخصية مع المدن:

تبرز الشاعرة العلاقة الشخصية مع المدن. هناك علاقة شخصية بين الشاعرة وبين مدينة القدس: “وأنت عشي/ وانتمائي للندى/ والخصب” (ص. 7). الناصرة هي المكان الذي عرفته الشاعرة صغيرة: “أحب ناصرتي التي فيها حبوت/إلى القصيدة/بعد أن فتحت عيني في قداستها” (ص. 19)، أما بيت لحم فما زالت الشاعرة تذكرها رغم البعد المكاني: “وبيت لحم لا تفارق مهجتي” (ص. 29).

الحديث عن الطبيعة:

حين تكتب عن القدس، تتحدث الشاعرة عن بساتين القصيدة والحقيقة، كما تتحدث عن انتمائها للندى والخصب (ص. 7)، وفي بعض تشابيها، في ذلك الحديث، تستخدم عناصر الطبيعة: “مثل النسيم المستعير خيوطه من غفوة الأشجار أنت”. يحدث هذا عندما تكتب الشاعرة عن المدينتين الأخريين، فالناصرة هي “حسناء تمشط شعرها بين العواصم/حلية في جيدها/قدت من الشجر الأثيل/ومن غصون الكبرياء” (ص. 21)، وانتماؤها إلى الناصرة ثابت “كأنّه من جذر زيتون/ترسّخ في البلاد” (ص. 23). الشاعرة تتحدث عن ذكرياتها في بيت لحم مستخدمة تشابيه الطبيعة: “أطير كنحلة حول الحروف/وأرشف شهدها الممزوج/ بالأحلام” (ص. 31).

التاريخ والمجد والثورة والحرية:

تصف الشاعرة القدس بأنها مكان تاريخي ملحمي: “تنشد الأسوار للتاريخ/أسفار الملاحم/طافح هذا المكان الفخم/بالصولات/والصلوات/والمجد الأثيل” (ص. 9). يحدث هذا عندما تكتب الشاعرة عن المدينتين الأخريين، فالناصرة قد احتلتها الشعوب القديمة ولكنها لم تبق فيها: “الفرس والاغريق والرومان/قد ركضت خيولهم هنا/وعادوا مثلما عاد الصليبيون/يبتلعون طعم الخيبة النكراء” (ص. 23). التاريخ موجود أيضا في بيت لحم حيث تعاقبت عليها الشعوب العربية: “هذه بلدة عربية/فيها الغساسنة الكرام/ مع النجاجرة الفوارس/كل شيء ها هنا عبق الحجاز عليه/ينعش ناظريه/ وحكمة اليمن العميقة/ في الوجوه تلوح/ ناصعة/ ولا انسى العناطرة الغيارى/ هم ملوك الضاد” (ص. 390).

الحب والحنين والمعاناة والألم:

درب الشاعرة في القدس هو درب الحنين تسير فيه ولا تمل من الهروب إلى مياه المدينة، وهي مليئة بنجوى المدينة: “هديرك الممزوج بالنجوى يعانقني ويكتبني فأصبح طفلة بين الحرائق لا تموت ولا تغافلها المتاهة” (ص. 8). الحنين إذا لدى الشاعرة ممزوج بالمعاناة التي تنتج عن الحرائق. تعبر الشاعرة عن عشقها لمدينة القدس: “عشقت أرضك/واندمجت مع الحكاية” (ص.9).

تتحدث الشاعرة أيضا عن المعاناة والحنين واللذين يرافقان الحب عندما تكتب الشاعرة عن المدينتين الأخريين، فالناصرة تتغلب على الآلام بالدمع: “إذا طغى صوت الرصاص/ودمدم السجان/توفيق زياد استظل بدمع ناصرة/وعانق ما اعترى زيتونها المسلوب/من حزن ومن وجع” (ص. 25-26). بيت لحم أيضا تشملها المعاناة: “ونشاهد المستوطنات تحلقت مثل الثعالب/حولها/ستزول يوما/كالظلام إذا تقدم جيش فجر/ واعد” (ص. 41).

وصف جمال المدن الثلاث:

تبرز الشاعرة جمال المدن الثلاث. تشبه الشاعرة القدس بالقمح والزيتون: “إن هذه الأرض طافحة بلون القمح/والزيتون” (ص. 15) وهما اللون الأصفر الذهبي والأخضر، وفي نصها عن الناصرة تتحدث عن الجمال الغض عن نقاء الناصرة وبساتينها: “لا تغيب الشمس عن أحداقها/ إلا لتطلع بالنقاء الناصري/ على بساتين الجليل”، كما تتحدث عن جمال المدينتين المجاورتين لها: “والجمال الغض في عكا وحيفا/في مدى بصري” (ص. 20). تقول عن بيت لحم: “هي في بلادي وردة فواحة/من بين أجمل ما يشاهده الوجود/من الورود/تفوح بالكرم الأصيل/وبالجمال اليعربي” (ص. 29-30). جمال المدن الثلاث إذا يظهر في الألوان والشجر وما هو مرئي من جمالها.

لغة الديوان:

تتمازج عناصر الطبيعة والإنسان في لغة الشاعرة، كما تتمازج العناصر المجردة مع المحسوسة، كما تندمج الحكاية مع الإنسان. هذه الميزات تظهر في وصف الشاعرة للمدن وخصوصا في التشابيه التي تستخدمها في ذلك الوصف.

يظهر ذلك مثلا في وصفها للقدس بأنه وردة الأشجان وفي نفس الوقت لها غدائر مثل الفتاة الجميلة، والعصافير تعيش في غدائرها، أي أن العصافير تعيش في غدائر الفتاة التي هي القدس، أليست هي مدينة مليئة بالأشجار؟

يظهر ذلك أيضا في الأحداق، أحداق العيون، التي تكسوها البيادر، وهي حدائق ناس القدس وبيادر مدينة القدس، فالناس والقدس يتفاعلان.

يمكن اعتبار ديوان “ثالوث الحب المقدس” للشاعرة إيمان مصاروة ديوانا في العشق للمدن الثلاث وفي الانتماء لهذه المدن الثلاث، فهي تعبر عن هذا الانتماء خلال النص الشعري عن كل واحدة وواحدة من المدن، تتماهى مع المدن، مع تاريخها وجمالها وقدسيتها.

***

المراجع:

مصادر الأعمال الشعرية:

أبو ريشة عمر (1947). عروس المجد. الديوان. https://www.aldiwan.net/poem101677.html

المشيني، سليمان (2011). سلام على الناصرة. https://www.aldiwan.net/poem128136.html

دحبور، أحمد (1997). وردة للناصرة.

طه، علي محمود (2023، تشرين أول 7). قصيدة فلسطين. https://akhbar-alkhaleej.com/news/article/1346268د

مارون، إيلين (2010، كانون ثان 21). افرحي يا بيت لحم.  المدار. https://www.almadar.co.il/news-13,N-10181.html

رحباني، عاصي ورحباني، منصور (1967). زهرة المدائن. https://genius.com/Fairouz-zahrat-el-madaen-lyrics

مرجية، رانية (2025، تشرين ثان 22). بيت لحم … حين تنهض الأرض بوجوه النساء. بقجة.

مصادر الأدب البحثي:

أبو غالي، مختار علي (1995). المدينة في الشعر العربي المعاصر. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

بدوي، محمد عبده (1988). الشاعر والمدينة في العصر الحديث. عالم الفكر، 181،3-226.

جعفر، علي خليل (2025). المحاور الرومانسية في السعر العاملي. المنافذ الثقافية، 6، 152-167.

مغفور، عبد الفتاح (2019، تموز 4). قصيدة في شأن المدينة المنورة للأديب الأريب ابن جابر الأندلسي (تـ: 780هـ). تقديم وضبط. الرابطة المحمدية للعلماء.

عبد الرزاق، حسين (2004). مكة في عيون الشعراء العرب. مؤسسة الانتشار العربي.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى