هنادي هنداوي: لم تكن مجرد جريدة.. كانت وطنًا صغيرًا!

اليوم، كانت يديَّ تحمل جريدة. لكن قلبي كان يحمل وطنًا كاملًا، لم تكن فرحتي لأن اسمي احتلَّ زاويةً فيها، ولا لأن صورتي صافحت حروفها، بل لأنني، بعد غيابٍ طويل عنها، حضنتها بين يديَّ، فإذا بها تعانقُ طفولتي.

صحيفة واحدة خفيفة، لكنها كانت أثقل من العمر كله. فجأة، ما ان لامست اناملي صفحاتها الرقيقة وارتوى انفي عبق الورق؛ عدتُ طفلةً، تركض حافيةً بين أسوار بلدٍ دافئٍ تنبض امواج بحرهِ في داخلي، ها هو صباح الجمعة يعود كما كان..

تسللت إليَّ رائحة قهوة أمي وحليب أبي الساخن المحلى بالعسل، الذي كان يعدّهُ لنا باكرا فور استيقاظنا لنتناوله كترياق صحةٍ وحبٍ بجانب قطع الرغيف الافرنجي المحمصة والمغطاة بالزبدة. أما قبل الظهيرة بقليل، فكانت أمي تُرتب المائدة للإفطار الرئيسي المحبب، طقسًا عائليًا لا يتغير، الذي كان يعدّه ابي في المطبخ بكل شغفٍ وحرفية “أطباق الحمص، الفول والمشوشة (المسبحة)” حيث كانت كل لقمة من يده أغلي من عرق السنين. ثم يستريح بعدها ليحمل الجريدة بهدوء ووقار كما يحمل رسالةً مقدسة، لا ليقرأ الأخبار فحسب، بل ليعلمنا أن نقرأ العالم قبل ان نحكم عليه، وان نفهم الإنسان قبل أن نختلف معه.. كان يجعلنا نحب القراءة بلهفة من يدرك أن الخبر لا يُحفظ بل يُفهم. وأن السياسة ليست صخبًا يملأ الآذان، بل مسؤوليةٌ توقظ الضمير، و”أن الكلمة الصادقة قد تبني إنسانًا، قبل أن تغيّر وطنًا “..

كنا نجلس حوله بفرح، فنتسابق إلى حل الألغاز والكلمات المتقاطعة، ونختلف في الحلول، ونضحك حين يسبقنا أحد، ونكتشف، دون أن ندري، أن عقولنا كانت تكبر بينما كنا نلعب، وأن تلك اللحظات الصغيرة كانت تبني في داخلنا كيانًا لا يخشى السؤال. ثم ينهض أبي إلى صلاة الجمعة، وأبقى انا أحدق في الجريدة، أقلّب صفحاتها بفضول طفلة، فأشعر أن العالم أكبر من حارتنا، وأن المعرفة بحرٌ لا ينتهي. ولم تكن الجريدة تتوقف عند باب بيتنا، بل كانت تواصل رحلتها إلى بيت جدي وجدتي بين كروم العنب واشجار التين والزيتون. حيث هناك، كانت تبدأ حياةً أخرى،

حين كان جدي وخالي يدهنان الحيطان والجدران، كنا نفترش الجرائد على الأرض بلهفة، نركض بين علب الطلاء والفراشي، نتوسل جدي ليعطينا شرف تجربة دهن قسمٍ صغيرٍ من الحائط حتى نظن أننا كنا نشارك في بناء البيت، بينما كانت الذكريات البسيطة الصادقة هي التي تبني بيوتنا الحقيقية.

ومن المطبخ، كانت رائحة الخبز الساخن تسبقنا إلى الفناء. وجدتي، بيديها اللتين تشبهان الأرض في عطائهما، كانت تُخرج الأرغفة من تنور الحطب، وتنادينا بصوتها الذي ما زال يسكن قلبي: “هاتوا الجرائد”!، لا لتقرأها، بل لتحتضن ارغفة القمح الساخنة، مناقيش الزعتر وفطائر السلق والسبانخ، الله، رائحتها ما زالت عالقة في ذهني. ثم تطلب منا ومن خالاتي وامي ان نساعدها بتوزيع كل هذا المنتوج اللذيذ على بيوت أخوالي والاقرباء في الحي. وكأن المحبة كانت تُلف يومها بورق الجرائد، وتسير على الأقدام حتى تصل إلى كل بيت. أما الجرائد القديمة فلم تكن تُلقى في سلة النسيان، كانت أمي تطلبُ ان نلمع بها زجاج المرايا والنوافذ ، فنبدأ العمل، ثم نتوقف فجأة عند خبرٍ صغير، أو إعلانٍ غريب، أو صورةٍ أثارت فضولنا. فنقرأ، ونبتسم، ونتعلم، ثم نعود لنكمل التنظيف. حتى الأعمال المنزلية، كانت تربي فينا حب المعرفة.

يا الله! كم كانت تلك الجريدة عظيمة! تحمل الفكر مع أول الصباح، وتحمل الخبز عند الظهيرة، وتحمي الأرض من الطلاء، وتلمّع زجاج البيوت، وتجمع العائلة حول حديثٍ لا تقاطعه الإشعارات ولا تسرقه الشاشات. لم تكن تُطبع بالحبر وحده، بل بالمحبة، وبالبساطة، وبالناس.

واليوم كبرتُ، وحين رأيت اسمي بين صفحاتها، شعرت أن الدائرة اكتملت. يومًا، كانت الجريدة تكتبني وتعلمني كيف أقرأ العالم. واليوم، صرتُ أنا أكتب فيها ما يعين العالم على قراءة نفسه. لكنني، في الحقيقة، لا أكتب فيها وحدها، بل أكتب في ذاكرة أب كان مربيًا قبل ان يكون معيلا. وفي دعوات أم كانت مدرسةً دون شهادة. وفي حنان جدٍّ ودفء جدّة تزرع الأخلاق في الأرغفة، كما تزرع الزعتر فوق المناقيش، فيعانق زيت زيتونها الأصيل حبرَ الجريدة في مشهدٍ لا تعرفه إلا البيوت التي تدرك معنى البركة.

ومن تلك البيوت التي كانت تصنع الإنسان، قبل أن تصنع الذكريات والتاريخ، أدركتُ أن الأوطان لا تُبنى بالحجارة والابراج وحدها، بل بحضارة يملؤها العطاء والكرم، بالكلمة الصادقة واللقمة الطيبة، وبالقلوب التي عرفت كيف تُحب ببساطة. ربما لهذا أخافُ على هذا الزمن، ليس لأنه استبدل الورق بالشاشات، فالوسائل تتغير، وسيظل الإنسان يبتكر. لكنني أخاف أن نفقد ما كان يُصنعُ حول تلك الوسائل، أن نفقد الحوار الذي كان يجمع العائلة، والفضول الذي كان يوقظ الطفل، والوقت الذي كان يمنحنا فرصةً لنفكر قبل أن نحكم.

أخاف أن نربّي أجيالًا تعرف كيف تبحث، ولا تعرف كيف تتأمل، تعرف كيف تُجيب، ولا تعرف كيف تسأل. ولهذا أكتب، لا لأجمع إعجاباتٍ عابرة، ولا لأترك اسمي بين الصحف والجرائد، فلستُ أكتب لأضيف كلماتٍ إلى العالم، بل لأعيد الإنسان، ما استطعتُ، إلى فطرته الأولى؛ حيث كانت البساطة حكمة، وكانت المعرفة خُلُقًا، وكانت المحبة أسلوب حياة.

أؤمن أن بيننا أناسًا مختلفين، لا لأنهم أفضل من غيرهم، بل لأنهم يحملون مسؤولية أن يضيئوا شمعةً في زمنٍ كثرت فيه الأضواء، وقلّ فيه النور.. أؤمن بمن يقرأ ليتأمل ويبني، لا ليجادل. وبمن يكتب ليوقظ، لا ليُبهر. وبمن يرى في الكلمة بذرة، لا زينة. فإن أنبتت في قلب إنسان فكرةً نبيلة، أو أيقظت فيه خلقًا جميلًا، أو أعادته إلى نفسه، فقد أدّت رسالتها.

أغلقتُ الجريدة بهدوء، لكنني أدركت أن بعض الصفحات لا تُطوى أبدًا. تبقى مفتوحةً في القلب، كلما اشتقنا إلى أبٍ وجدٍّ كانا يزرعان الوعي والتجربة فينا كما يزرع الفلاح قمحه، وإلى أمٍّ كانت تجعل من أبسط الأشياء درسًا في المحبة، وإلى جدّةٍ كانت تعرف أن الرغيف، إذا لامس القلب، صار وطنًا.

لهذا، لم تكن مجرد جريدة، كانت وطنًا صغيرًا، وما زلتُ أسكنه. فبعض الأوطان لا تُرسم على الخرائط، بل تُطوى بين صفحات جريدة، وتسكن القلب إلى الأبد.

 **جزيل الشكر لمحرر صحيفة وموقع “المسار” الصحفي أسامة محاميد، الذي اهداني الجريدة الورقية، وللعم الشيخ عباس زكور الذي اوصلها إليّ، فكانت هديةً أيقظت في داخلي وطنًا من الذكريات، وألهمتني كتابة هذه الخاطرة الصادقة، والتي أرجو أن تجد طريقها العميق إلى قلوبكم، كما وجدت طريقها إلى قلبي وجداني وذكرياتي.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى