جهاد عقل: ذاكرة المكان والإنسان في حكايات جاد الله إغبارية.. قراءة في كتابه “من وحي بلدي – مصمص: حكايات تجذّر وصمود”

أنهيت قراءة كتاب “من وحي بلدي – مصمص: حكايات تجذّر وصمود” للكاتب جاد الله صالح إغبارية، الواقع في 257 صفحة والموزع على أربعة فصول، فوجدت نفسي أمام كتاب لا يروي حكاية قرية مصمص وحدها، بقدر ما يفتح نافذة واسعة على ذاكرة مجتمع عربي فلسطيني كامل، وعلى مراحل من حياته وتحولاته الاجتماعية والسياسية والإنسانية.

فالقرية هنا ليست مجرد مكان تدور فيه الأحداث، وإنما ذاكرة حية، تتداخل فيها سِيَر الناس مع التاريخ، والحكاية الشعبية مع الأحداث السياسية، والخاص مع العام.

“العصفورة”.. سيرة الجدة وسيرة جيل

في الفصل الأول يأخذنا الكاتب إلى حكايات “العصفورة” ، أي جدته، التي تشكل قصتها جزءاً من سيرته الذاتية والعائلية. لكنني، وأنا أقرأ هذه الحكايات، شعرت أنها تتجاوز حدود السيرة العائلية لتصبح جزءاً من سيرة جيل فلسطيني كامل.

عبر أربعين حكاية وحكاية، وبأسلوب سلس يتنقل بين الفكاهة والحزن، يرسم الكاتب صورة امرأة فلسطينية واجهت قسوة الحياة وظروفها الصعبة. ومن أكثر الحكايات تأثيراً قصة زوج «العصفورة» الذي جُنّد في الجيش العثماني ولم يعد من العسكرية، لتجد نفسها أمام مسؤولية تربية أولادها ومواجهة شظف العيش بمفردها.

إنها قصة فردية، لكنها في الوقت ذاته تختزن تجارب نساء وعائلات فلسطينية كثيرة عاشت ظروفاً مشابهة في تلك الحقبة.

ويختتم الكاتب هذا الفصل بشجرة عائلته، وكأنه بذلك يربط الحكاية بالذاكرة والجذور، ويؤكد أن التاريخ الكبير يبدأ، في كثير من الأحيان، من تاريخ العائلة والبيت والقرية.

مصمص… حين تصبح القرية مرآة لمجتمع كامل

أما الفصل الثاني، الذي يضم 113 حلقة وحكاية استوحاها الكاتب من أحداث وشخصيات “من وحي بلده”، فأراه بمثابة العمود الفقري للكتاب.

هنا تتسع دائرة السرد من العائلة إلى القرية والمجتمع. نلتقي بشخصيات قيادية وشعبية، ونعيش أحداثاً ومشاهد من الحياة اليومية، والعادات والعلاقات بين الناس، والتعاضد والتكافل الاجتماعي، والدور الذي لعبته شخصيات محلية في المحافظة على تماسك المجتمع وترسيخ بنيته الاجتماعية.

وأثناء قراءتي لهذا الفصل راودني شعور متكرر: لو غيّرنا أسماء بعض الأشخاص والمواقع، لوجدنا الكثير من هذه الحكايات قد حدث في بلدات أخرى من منطقتنا.

وهنا، برأيي، تكمن إحدى نقاط قوة الكتاب. فما يرويه الكاتب عن مصمص لا يبقى محصوراً في حدودها الجغرافية، بل يعكس إلى حد بعيد نمط الحياة الذي عرفته بلدات المثلث الشمالي، بل ومجتمعنا العربي الفلسطيني بصورة عامة.

وتكتسب هذه الحكايات أهمية خاصة عندما تتناول المرحلة التي أعقبت النكبة، وانتقال قرى وبلدات المثلث إلى السيادة الإسرائيلية في أعقاب اتفاقيات رودس عام 1949، ثم سنوات الحكم العسكري الذي فُرض على المواطنين العرب في إسرائيل حتى عام 1966.

ومن خلال الحكايات اليومية والشخصيات المحلية، لا يقدم الكاتب التاريخ بلغة الوثائق والأرقام، وإنما من خلال حياة البشر أنفسهم: كيف عاشوا، وكيف واجهوا الظروف الجديدة، وكيف حافظوا على علاقاتهم الاجتماعية وانتمائهم إلى أرضهم وبلداتهم. وهذه، في تقديري، قيمة توثيقية مهمة للكتاب.

الديوان البيتي… ذاكرة الحكاية الشفوية

في الفصل الثالث يأخذنا الكاتب إلى عالم يكاد يتراجع حضوره في حياتنا المعاصرة: الديوان البيتي.

إنه ذلك المكان الذي كان يجتمع فيه الأب وأهل الحارة والأقارب والأصدقاء، وتنتقل فيه الحكايات والتجارب والأخبار من جيل إلى جيل.

ينقل لنا الكاتب حكايات كان يسمعها خلال جلساته مع والده ورجالات الحارة، حكايات لها نكهتها الخاصة، تحمل شيئاً من روح الزمن الذي قيلت فيه، وتعكس العلاقات الاجتماعية وقيم الجيرة والتآخي والتعايش التي ميزت حياة الناس آنذاك.

وقد أبدع الكاتب في هذا الفصل في سرديته وانسياب أسلوبه ولغته الجميلة، حتى يشعر القارئ في بعض الأحيان وكأنه يجلس في ذلك الديوان ويستمع بنفسه إلى الحكايات.

وهنا تظهر أيضاً أهمية الذاكرة الشفوية؛ فالكثير من تاريخ القرى الفلسطينية لم يُكتب في الوثائق الرسمية، وإنما بقي محفوظاً في ذاكرة الآباء والأجداد وفي المجالس والدواوين والحكايات المتناقلة بين الأجيال.

من الحكاية إلى الموقف

أما الفصل الرابع، فيختلف في طبيعته عن الفصول السابقة، إذ ينتقل فيه الكاتب بصورة أوضح من الراوي والموثّق إلى صاحب الرأي والموقف.

يضم الفصل خواطر وكتابات ومواقف حول قضايا مجتمعية وسياسية وغيرها، فنقترب أكثر من رؤية الكاتب نفسه تجاه عدد من القضايا التي شغلته ودفعته إلى الكتابة والتعبير.

وبذلك لا يكتفي الكتاب باستعادة الماضي، بل يحاول أيضاً إقامة صلة بين الذاكرة والواقع، وبين ما عاشته الأجيال السابقة وما يواجهه المجتمع في الحاضر.

ملاحظة نقدية

ومع تقديري للجهد الكبير المبذول في جمع هذه المادة وحفظها، فإن القارئ قد يشعر أحياناً بشيء من التكرار في تناول بعض القضايا أو الشخصيات والموضوعات، ومن الأمثلة على ذلك تكرار موضوع “تحوتمس” في أكثر من حلقة.

وكان بالإمكان، برأيي، من خلال تحرير أكثر تكثيفاً لبعض الحلقات، الحد من هذا التكرار وإعطاء البناء العام للكتاب مزيداً من التماسك، دون المساس بغنى مادته.

لكن هذه الملاحظة لا تنتقص من القيمة الأساسية للعمل، خصوصاً باعتباره محاولة لحفظ ذاكرة محلية مهددة بالنسيان.

كتاب عن مصمص… وشيء من حكايتنا جميعاً

بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، بقي لدي انطباع أساسي: هذا كتاب عن مصمص، لكنه ليس لمصمص وحدها.

فبين حكايات «العصفورة»، وشخصيات القرية، والديوان البيتي، والحكم العسكري، والعلاقات الاجتماعية، وأفراح الناس وأحزانهم، نجد أجزاء من حكاية مجتمع عربي فلسطيني كامل.

ولعل أجمل ما يحققه الكتاب أنه يجعل القارئ من أبناء هذه المنطقة يستعيد هو الآخر حكايات بلدته وعائلته وأجداده. وهذا ما حدث معي شخصياً؛ ففي أكثر من محطة وجدت نفسي أقول إن هذه الشخصية تشبه شخصية عرفناها في بلدتنا، وإن هذه الحكاية كان يمكن أن تحدث عندنا أيضاً.

من هنا أرى أن قراءة الكتاب مستحقة، والأهم أن تصل مضامينه إلى الجيل الشاب، لأن حفظ الذاكرة ليس حنيناً إلى الماضي فحسب، وإنما هو أيضاً حفظ للرواية والهوية والانتماء.

فالجيل الذي لا يعرف كيف عاش أجداده، وكيف حافظوا على الأرض والعائلة والمجتمع في أصعب المراحل، يفقد جزءاً مهماً من قدرته على فهم حاضره.

وكتاب “من وحي بلدي – مصمص: حكايات تجذّر وصمود” يساهم، من خلال الحكاية البسيطة والذاكرة المحلية، في حفظ جزء من هذه الذاكرة الفلسطينية؛ ذاكرة المكان والناس والتجذّر والصمود.

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى