د. عطاف منَّاع صغير: المنهج العلمي والتَّربوي عند ابن زهر الأندلسي من خلال قراءة في كتابه: “التيسير في المداواة والتدبير”

مقدمة
يُعدّ أبو مروان عبد الملك بن زهر (ت. 1162م) من أشهر أطباء الأندلس الذين أسهموا في بناء منهج طبي قائم على الملاحظة والتجربة والنقد العلمي؛
اعتمد ابن زهر في تدريسه على التدريب العملي ومرافقة المرضى، فجمع في
تعليمه الطب بين المعرفة، النظرية والخبرة التطبيقية، حيث دعا إلى أن يكتسب الطبيب مهارة المشاهدة الدقيقة قبل إصدار الأحكام العلاجية (Glick, Livesey
& Wallis, 2005).
انتقلت أعماله إلى أوروبا بعد ترجمتها إلى اللاتينية، فأصبحت جزءًا من التراث الطبي الذي استفاد منه الأطباء في العصور الوسطى والنهضة،كما كان له تأثير في ابن رشد الذي استفاد من خبرته الطبية ومنهجه في دراسة قضايا الطب
(McGrew, 1985).
يُعد كتاب “التيسير في المداواة والتدبير” من أشهر مؤلفات ابن زهر الأندلسي، وقد كتبه ليكون دليلًا عمليًا يساعد الأطباء على تشخيص الأمراض وعلاجها. فأصبح هذا الكتاب مرجعًا مهمًا في الطب، وانتشر في أوروبا بعد ترجمته إلى اللاتينية. الامر الذي جعله من أهم الكتب الطبية في التراث الإسلامي، وأحد المراجع التي استفاد منها الأطباء لعدة قرونUllmann, 1978)).
قراءة في الكتاب :
يبدأ ابن زهر الكتاب بوصف الأمراض وأعراضها، ثم يوضح كيف يمكن التمييز بينها للوصول إلى التشخيص الصحيح. ثم ينتقل إلى الحديث عن وسائل العلاج، وكيفية تناولها وعدد الجرعات اللازمة ، ويؤكد على أهمية عدم استخدام الدواء بصورة دائمة وبغير سبب.
يهتم ابن زهر اهتمامًا كبيرًا بالتغذية ، ويرى أنه جزء أساسي من العلاج، فيشرح أنواع الأطعمة التي تناسب كل حالة مرضية، ويشير الى أن تنظيم الطعام والراحة والنوم يساعد المريض على التعافي والشفاء ، فيصف الأدوية المناسبة لكل مرض، ويشرح طريقة استعمالها .
كما يتناول أيضًا عددًا من أمراض أعضاء الجسم، مثل أمراض المعدة والكبد والرئتين، ويعرض خبراته في علاجها، مستندًا إلى ما شاهده بنفسه أثناء ممارسته للطب.
ومن أبرز ما يميز الكتاب ،أن ابن زهر لا يكتفي بنقل آراء الأطباء السابقين، بل يناقشها ويختبرها من خلال التجربة والملاحظة، فيقبل ما يثبت نجاحه ويصحح ما يراه غير دقيق. وبهذا يجمع الكتاب بين المعرفة الطبية والخبرة العملية.
فمن خلال الكتاب نرى ان ابن زهر قد طور منهجا يعتمد على الملاحظة والتجربة بدل الاعتماد الكامل على النقل، فنجده يقدم أوصافا دقيقة لبعض الأمراض وطرق علاجها. فاجرى تجاربا على الحيوانات قبل تطبيقها على الإنسان، وهو ما يعكس خطوة مبكرة في البحث الطبي التجريبي الذي ساعد بالطبع اطباء لاحقين .
وبهذا نرى ان ابن زهر كان قد تبنى منهجا علميا يقوم على فحص الأدلة وتحليلها قبلر اصدار الأحكام . فكان الطالب في منهجه مشاركًا في عملية اكتشاف المعرفة من خلال السؤال والملاحظة والتحقق، ولم يكن متلقيًا للمعلومات فقط، هذه المبادئ تعكس مفهوم التعلم القائم على الاستقصاء في التربية الحديثة. هذا الأسلوب يسهم في تكوين جيل من المتعلمين كمفكرين ناقدين قادرين على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة
المنهج العلمي كتطبيق مبكر للتفكير النَّاقد عند ابن زهر
اعتمد ابن زهر على الملاحظة الدقيقة لجمع المعلومات، وعلى فحص الأدلة وتحليلها قبل إصدار الأحكام ثم تحليل الأعراض وربطها بالأسباب المحتملة، ثم أختبار فرضياته من خلال التجربة والممارسة السريرية\الاكلينيكية ، قبل الوصول إلى استنتاجات مبنية على الدليل. كذلك كان يراجع نتائج ملاحظاته ويصححها عند ظهور أدلة جديدة، وهو ما يعكس مهارة التقويم الذاتي وإعادة النظر في الأحكام، وهي إحدى الركائز الأساسية للتفكير الناقد.
تتطابق هذه العمليات والمراحل مع المهارات التي حددها بيتر فاسيون في مشروع دلفي، وهي: التفسير، والتحليل، والاستدلال، والتقويم، والشرح، والتنظيم الذاتي (Facione, 1990). فعندما يفسر الطبيب أعراض المريض، ويحلل المعطيات، ويستدل على التشخيص، ويقيّم الأدلة والبراهين المتوافرة، ثم يراجع قراره في إستنادا الى النتائج، فإنه يمارس التفكير الناقد بصورة ممنهجة. لذلك نرى أنَّ منهج ابن زهر تطبيقًا مبكرًا للتفكير الناقد في البحث العلمي، إذ جمع بين العقلانية، والبرهان، والاستقلالية الفكرية، والابتعاد عن التقليد غير المدعوم بالأدلة.
اجمال
لقد ركز ابن زهر في منهجه على الدقة في وصف الأمراض وربط الأسباب بالنتائج . فتميز تفكيره بالنزعة التجريبية؛ فهو يرى أن صحة المعرفة في الطب لا تكون إلا بالمشاهدة والممارسة، لذلك لم يتردد في مراجعة بعض الآراء السابقة عندما لا تتوافق مع الواقع.
إعتمد ابن زهر على أسلوب تحليلي فقام بتقسيم المشكلة في الطب إلى العناصرالأساسية، ثم درس كل عنصر من خلال الملاحظة والمقارنة، مما يعكس وعيًه بأهمية المنهج المنظم في البحث العلمي. فالعلم عنده ليس حفظًا للمعلومات، بل بحثٌ دائم عن الدليل.
وبهذا يكون ابن زهر ،قد ترك أثرًا عميقًا في تاريخ البحث العلمي من خلال كتابه “التيسير في المداواة والتدبير” الذي قدّم فيه وصفًا دقيقًا للأمراض وطرق علاجها، وأسهم في ترسيخ المنهج الكلينيكي الذي يعتمد على التجربة والتحقق، كذلك تناول في الكتاب عددًا من الحالات الطبية بأسلوب يعتمد على الوصف والتحليل.
ولذلك نرى، بانه يمكن اعتبار ابن زهر أحد الرواد الذين نقلوا الطب من مرحلة الاعتماد على سلطة الكتب إلى مرحلة البحث القائم على الملاحظة والتجربة والدليل، وهو منهج ما زال يمثل أساسًا من أسس البحث العلمي الحديث. لذلك نرى أنَّ منهج ابن زهر تطبيقًا مبكرًا للتفكير الناقد .
(مجدالكروم)
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



