صدر حديثًا للشاعرة المقدسية نادية عوض ديوانها الشعري الجديد «مرايا القلب وانكسار الصمت»، عن دار الرعاة للدراسات والنشر، في إصدار أدبي جديد يرسخ حضور الصوت الشعري المقدسي الذي يجعل من الكلمة مساحةً للدفاع عن الإنسان، ومن الشعر نافذةً يطل منها الوطن على العالم، ويطل منها العالم على فلسطين.
ويأتي هذا الإصدار في لحظة تبدو فيها القصيدة الفلسطينية أكثر احتياجًا إلى أن تستعيد بعدها الإنساني، وأن تؤكد أن الدفاع عن الوطن يبدأ أيضًا بالدفاع عن قيم الجمال والحرية والكرامة. ومن هنا لا يكتفي الديوان باستحضار القدس بوصفها مكانًا، بل يجعلها ذاكرةً حيّة، وروحًا تسكن النصوص، وحضورًا يتردد في تفاصيل الصور الشعرية، وفي نبض الحنين، وفي الإيمان بأن المدن العظيمة لا تعيش بالحجارة وحدها، وإنما بما تحفظه في قلوب أبنائها من محبة وانتماء.
وتتنقل قصائد الديوان بين هموم الإنسان الفلسطيني، وأوجاع الطفولة، وأحلام السلام، وصوت الوطن، وحنين الغربة، دون أن تقع في المباشرة أو الخطابة، إذ تختار الشاعرة لغةً هادئة شفافة، تترك للصورة الشعرية أن تؤدي دورها، وللرمز أن يفتح آفاقًا أوسع للتأويل. فالقدس في هذه القصائد ليست عنوانًا سياسيًا، بل كائن حي ينبض في الذاكرة، والوطن ليس حدودًا على خارطة، بل بيتًا يسكن القلب، والإنسان هو القيمة العليا التي تدور حولها جميع النصوص، مهما اختلفت موضوعاتها.
ويضم الديوان عشرات القصائد التي تتنوع موضوعاتها بين القدس، وفلسطين، والسلام، والطفولة، والأم، والمنفى، والحب، والمناجاة، والحنين، لتتكون منها فسيفساء شعرية تعكس تجربة وجدانية ترى أن الكلمة الصادقة قادرة على أن تكون فعل مقاومة، وأن الشعر يستطيع أن يحفظ الذاكرة من النسيان، وأن يمنح الإنسان قدرةً متجددة على النهوض كلما أثقلته الخسارات.
ولعل أبرز ما يميز هذا العمل أن فلسطين لا تظهر فيه بوصفها قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل بوصفها مرآةً للضمير الإنساني. ولذلك تتجاور في الديوان صور الأطفال، والأمهات، والعصافير المهاجرة، والبيوت، والياسمين، والضوء، والبحر، لتصوغ خطابًا شعريًا ينحاز إلى الحياة في مواجهة الموت، وإلى السلام في مواجهة الحرب، وإلى الإنسان في مواجهة كل أشكال القهر والإقصاء.
ويفتتح الديوان بمقدمة نقدية للأديب والناقد الأردني سمير اليوسف، الذي يرى أن تجربة نادية عوض تنبع من حساسية إنسانية عالية، وأنها استطاعت أن تجعل من القصيدة مرآةً لنبض الإنسان، وأن تحول المعاناة إلى لغة، والذكريات إلى صور، والوجع إلى طاقة من التأمل والإشراق، في تجربة لا تقدم قصائد متفرقة بقدر ما تقدم رحلة شعورية وفكرية تنتهي بالإيمان بأن الحب ما يزال القوة الأجمل القادرة على ترميم ما تهدم في الروح والعالم.
ويمثل «مرايا القلب وانكسار الصمت» إضافة جديدة إلى المشهد الشعري الفلسطيني المعاصر، لأنه يكتب القدس من داخل الإنسان، لا من خارجه، ويجعل من القصيدة مساحةً يلتقي فيها الوجدان الوطني بالبعد الإنساني، فتغدو الكلمة فعل وفاء للمدينة، ورسالة محبة للعالم، وشهادةً على أن فلسطين، رغم كل ما يحيط بها من وجع، ما تزال قادرة على أن تُنبت الشعر، وأن تُهدي إلى الثقافة العربية أصواتًا تؤمن بأن الجمال شكل من أشكال الصمود، وأن القصيدة، حين تكون صادقة، تصبح وطنًا لا يمكن اقتلاعه. (عن صفحة: ميدعون فلسطينيون)

** واحةُ الحنان.. شعر: نادية عوض
أمّي…
منكِ تعلّمتُ
كيف يكونُ الحبُّ
وكيف تنبضُ الحياةُ
في قلبٍ
أنهكَتهُ الطرقات.
كنتِ
سماءً تميلُ على الأرضِ
كي لا تسقط،
وكنتِ
واحةَ الحنانِ
حين يجفُّ العمرُ
ويشتدُّ العطش.
أحببتِنا
كما تُحبُّ الطيورُ الاغصان
وكما يعانقُ المطرُ
ترابَهُ الأول.
كلُّ ما فيكِ
كانَ يشبهُ الطمأنينة:
صوتُكِ،
خطواتُكِ،
حتى دعاؤكِ
كانَ يفتحُ للنوافذِ
أبوابَ الضوء.
دروسُكِ
رائحةُ مسكٍ
وعنبر،
وباقةُ ياسمينٍ
لا تذبلُ
ولو مرّتْ عليها
سنونُ التعب.
كنتِ زينةَ الدار،
وشمعتَهُ
التي لا تنطفئ،
نورَ القيامِ
في ليالي الخوف،
وطمأنينةَ القلب
حين تضيقُ الجهات.
أمي…
ما زلتُ أذكرُ
خبزَكِ الساخن،
يخرجُ من يديكِ
كأنهُ قطعةُ حبٍّ
مخبأةٌ برائحةِ القمح.
وأذكرُ اللبنَ
الذي شدَّ عظامي،
وأناملكِ
تمشطُ شعري
برفقِ صلاة،
فأشعرُ
أن العالمَ كله
صارَ أكثرَ أماناً.
كنتِ تغنينَ
فننامُ
على صوتكِ
مثل عصافيرَ صغيرة،
نفهمُ معنى الحنان
دونَ أن تقولي
شيئاً.
ومنكِ
تعلّمتُ الصبر،
ذاكَ الصبرُ
الذي يشبهُ الجبال،
وتعلّمتُ
أن التسامحَ
أجملُ ما يتركهُ الإنسان
في قلوبِ الآخرين.
أحنُّ إليكِ…
إلى حضنكِ
الذي كانَ
وطنًا صغيرً لا يعرفُ الحزن
وما زالَ صوتكِ
يسكنُ مسمعي،
يهمسُ أعذبِ الألحان،
كلما أرهقني التعبُ
أو ضاقتْ بي الحياة.
لروحكِ
كلُّ السلام،
ولذكراكِ
عمرُ الياسمين،
فأنتِ
لا تغيبين…
ما دامَ في القلبِ
نبضٌ،
وفي الروحِ
دعاء…
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده
لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى
الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com