د. علي خليل جبارين: الوعي الجمعي أساس الشراكة الحقيقية!

في ظل واقع عصيب وفي خضم تسارع غير مسبوق للأحداث قديتساءل أحدنا عن جدوى الكتابة والادلاء بالرأي. لكن ضمائرنا تأبى إلا أن نكتب لأن الصمت في مثل هذه اللحظات ليس دائما حياداوالكلمة المسؤولة قد تكون بداية لوعي نحتاجه ولتغيير لا غنى عنه.
خيبت مفاوضات تشكيل القائمة المشتركة امال كثيرين من أبناء مجتمعنا العربي في الداخل الفلسطيني. فلم تتحقق “المشتركة الرباعية” وباتت “الثلاثية” بعيدة المنال في مشهد يعكس عمق التشرذم والانقسام الذي يعيشه مجتمعنا, في ظل أوضاع اجتماعية وسياسية بالغة الحساسية.
تكشف القراءة النقدية لجذور هذا العجز أن تجاوز الأزمة مسؤولية القيادات والأفراد على حد سواء وأن المطلوب هو تخطي العوائق السياسية والاجتماعية التي تحول دون بناء شراكة حقيقية ومستدامة بين مكونات مجتمعنا ومؤسساته. وهذا يتطلب مسارا سياسيا واجتماعيا مختلفا يحدث تحولا في الفكر والوعي ويتجاوز أنماط التفكير والسلوك والعادات التي أسهمت في تكريس الانقسام.
فالمطلوب ليس مجرد جمع الأحزاب في قائمة انتخابية واحدة أو عقد تسوية مؤقتة بين قوى سياسية متباينة بل بناء شراكة حقيقية ومستدامة تقوم على الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة والالتزام بمصالح مجتمعنا وتطلعاته. شراكة تعزز قدرته على التأثير وتطورمؤسساته وتحول حجمه الاجتماعي وطاقاته إلى قوة سياسية واجتماعية فاعلة, قادرة على صياغة حاضره والمساهمة في بناء مستقبله.
لكن كيف يتحقق ذلك ما لم نتجاوز حالة الجمود والعجز ونخرج من دائرة ردود الفعل الهزيلة ونهج ادارة الأزمات؟ كيف يحدث ذلك ما لم تنتقل القيادات والأفراد من موقع رد الفعل إلى المبادرة وصناعة الحلول والعمل الجاد لبناء شراكة قادرة على تحويل طاقات المجتمع وحجمه إلى قوة فاعلة ومؤثرة, بدلا من التشرذم والتخوين وجلد الذات؟
ولكي نهزم هذا العجز علينا أن نتعلم تجاوز الخلاف وتحويل اختلافاتنا إلى مصدر قوة مشتركة وأن نتخلى عن التنافس الداخلي الهدام الذي تغذيه الذات المتضخمة, ونعمل بروح الفريق لتحقيق أهداف مجتمعية وسياسية واضحة. كما يتطلب ذلك استبدال التواكل بالتوكل والأخذ بالأسباب لصناعة أثر حقيقي في الميدان. وعلينا أن نواجه الأسباب الجذرية للعجز، بدلا من الإكثار من الفعاليات والأنشطة التي تمنحنا شعورا وهميا بالإنجاز, ثم يتلاشى أثرها بانتهاء الحدث.
لاحداث نقلة نوعية في مجتمعنا علينا أن نحطم الكثير من “الأصنام” التي تفتك به وتحول دون بناء الشراكة بين مكوناته المختلفة. فإذا كانت أصنام الأمس من طين وحجر وخشب فإن “أصنام” اليوم تتجسد في أفكار دخيلة ومصالح ضيقة وعادات سياسية واجتماعية محبطة, ونزعة مادية قاتلة و انقسامات حزبية وفئوية بغيضةوسلوكيات تقدم فيها المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. لكن أخطر هذه الأصنام جميعا أن يقتنع الإنسان العادي وقد أنهكه تكرار الفشل بأن العجز قدر لا مفر منه.
التشرذم والشكوى والتذمر والهروب إلى الأمام لن تبني قائمة مشتركةو لا تؤسس الى شراكة حقيقية, ولن تخرج أبناء وبنات مجتمعنا من واقعهم السياسي والاجتماعي الخانق. وبناء شراكة متينة بين مختلف مركبات ومكونات مجتمعنا يتطلب أسسا واضحة وصلبة تستجيب لتطلعاتهم وتمكنهم من بناء مؤسساتهم وصناعة واقعهم ومستقبلهمبدلا من الاكتفاء بادارة الأزمات وإعادة انتاج الانقسام.
ختاما, إن اللحظة الراهنة بما تحمله من خيبة وأزمة وتحديات غير مسبوقة يجب ألا تكون نهاية الطريق بل فرصة لمراجعة عميقة وصادقة للذات على مستوى الأفراد والقيادات. فاما أن نستمر في إعادة انتاج أسباب الانقسام والفشل ودفع الأثمان الباهظة واما أن نمتلك الشجاعة لكسر هذه الحلقة والانتقال من التشرذم إلى الشراكة ومن ردود الفعل إلى المبادرة ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
وعلى كل فرد في مجتمعنا أن يحتكم إلى ضميره ووعيه السياسي والاجتماعي وأن يجعل حرصه على مستقبل أبنائنا دافعا و موجها لاتخاذ موقف واضح ومسؤول من الانتخابات المقبلة في شهر أكتوبربما يسهم في دفع البلاء وتعزيز تماسك مجتمعنا وقدرته على مواجهة التحديات القادمة.
والله الموفق والمستعان
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



