علي فهمي أبو بكر: الشباب بين واقع متغير ومستقبل مشترك

يمثل الشباب طاقة المجتمع الحية، وقوته المتجددة، وقاطرة التغيير نحو المستقبل. فهم عماد الأوطان وثروتها الحقيقية، بما يمتلكونه من طاقة وطموح وقدرة على التعلم والابتكار وصناعة الأفكار وتحويلها إلى مبادرات ومشروعات تسهم في بناء المجتمع ومواجهة تحدياته.

في اليوم العالمي للشباب، الذي يصادف الثاني عشر من آب/ أغسطس من كل عام، يواجه جيل الشباب اليوم واقعاً سريع التبدل، تتداخل فيه التحولات التقنية والاقتصادية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتغير طبيعة سوق العمل، وتسارع المعرفة، إلى جانب البطالة والهجرة وتحديات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كلها عوامل تعيد تشكيل حياة الشباب وتفرض عليهم مهارات جديدة ورؤية مختلفة للمستقبل.

وفي هذا العالم المتغير، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان النجاح، فالمستقبل يحتاج إلى التعلم المستمر، والقدرة على التفكير النقدي، والإبداع، والمرونة، والمهارات الرقمية، والقدرة على التكيف مع وظائف ومهن تتغير طبيعتها باستمرار. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الشباب لا يتمثل فقط في الحصول على فرصة عمل، وإنما في الاستعداد لعالم تتغير فيه طبيعة العمل نفسه.

وتأتي البطالة في مقدمة التحديات التي تواجه الشباب، خاصة في المجتمعات التي تعاني من محدودية فرص العمل وضعف النمو الاقتصادي. كما أن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل ما زالت تمثل تحدياً حقيقياً، الأمر الذي يدفع بعض الشباب إلى الانتظار الطويل، أو تغيير تخصصاتهم، أو البحث عن مستقبلهم خارج أوطانهم.

وتبرز الهجرة بوصفها نتيجة مؤلمة لهذا الواقع. فحين يشعر الشاب بأن الفرص محدودة، وأن طموحه لا يجد البيئة التي تحتضنه، تصبح الهجرة خياراً يبدو أكثر جاذبية. لكن هجرة الكفاءات والعقول الشابة لا تمثل خسارة للفرد وحده، بل تستنزف جزءاً من رأس المال البشري الذي تحتاج إليه المجتمعات لبناء اقتصاد المعرفة وتعزيز التنمية.

أما الذكاء الاصطناعي، فيمثل تحدياً وفرصة في الوقت نفسه. فهو قد يغيّر طبيعة كثير من الوظائف، ويؤدي إلى اختفاء بعض المهن، لكنه في المقابل يفتح أبواباً واسعة أمام وظائف ومجالات جديدة في البرمجة وتحليل البيانات والأعمال الرقمية والابتكار وريادة الأعمال. ولذلك، فإن السؤال ليس كيف نحمي الشباب من الذكاء الاصطناعي، بل كيف نُمكّنهم من استخدامه وتوظيفه لصناعة فرص جديدة.

وقد أثبت كثير من الشباب أن محدودية الموارد لا تعني بالضرورة محدودية الأفكار، وأن الطموح قادر على خلق مساحات جديدة حتى في أصعب الظروف.

وفي فلسطين، يمكن أن نلمس هذه الطاقات في المبادرات الشبابية، والشركات الناشئة، والحاضنات ومراكز الابتكار في الجامعات، حيث استطاع شباب فلسطينيون تحويل أفكار محدودة الموارد إلى مشاريع وحلول، رغم صعوبة الظروف وتحديات البيئة الاقتصادي

ومن واقع تجربتي في تدريب الشباب وإطلاق المبادرات، أدركت أن أكبر عائق أمام الشاب ليس غياب الموهبة أو الطموح، بل غياب البيئة التي تؤمن بهما وتمنحهما مساحة حقيقية للنمو. فكثير من الشباب يمتلكون أفكاراً واعدة وقدرات استثنائية، لكنهم يحتاجون إلى من يثق بهم، ويوجههم، ويفتح أمامهم الأبواب، ويمنحهم الفرصة لتحويل أفكارهم إلى مبادرات ومشاريع وقيمة حقيقية في المجتمع.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب يجب ألا يقتصر على برامج تدريبية مؤقتة أو مبادرات موسمية، بل ينبغي أن يتحول إلى سياسة تنموية متكاملة تبدأ من التعليم، وتمر بالتدريب والبحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال، وتصل إلى توفير التمويل والفرص والمشاركة الحقيقية في صناعة القرار. كما أن الجامعات مطالبة بأداء دور أكثر فاعلية في إنتاج المعرفة وربطها باحتياجات المجتمع وسوق العمل.

أما الشباب، فعليهم أن يدركوا أن عالم اليوم لا ينتظر من يملك الشهادة فقط، وإنما يحتاج إلى من يستطيع أن يتعلم باستمرار، ويبتكر، ويتكيف، ويصنع قيمة. عليهم أن ينظروا إلى التكنولوجيا باعتبارها أداة لتوسيع قدراتهم، وأن يحولوا التحديات إلى فرص، والأفكار إلى مشاريع، والطموح إلى عمل وإنجاز.

وفي المقابل، تقع على صانعي القرار مسؤولية تاريخية في الانتقال من الحديث عن الشباب إلى العمل مع الشباب، ومن تصميم السياسات لهم إلى إشراكهم في صياغتها. فالشباب ليسوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل شركاء حقيقيون في صناعتها، ولا يمكن بناء مستقبل مستدام من دون حضورهم الفاعل في الاقتصاد والتعليم والابتكار والمجتمع.

إن اختلاف الظروف بين المجتمعات لا يلغي وحدة تطلعات الشباب، فهم يريدون تعليماً جيداً، وعملاً كريماً، وفرصة عادلة، وبيئة تحترم طموحهم وتمنحهم مساحة للإبداع والمشاركة والتأثير.

وفي النهاية، فإن مستقبل الشباب لا يُصنع بالانتظار، كما أن مستقبل الأوطان لا يُبنى بإقصاء طاقاتها الشابةلقد علمتني التجربة أن الاستثمار الحقيقي في الشباب يبدأ بالإيمان بقدرتهم قبل الاستثمار في أدواتهم، فالفكرة تحتاج إلى فرصة، والموهبة تحتاج إلى بيئة، والطموح يحتاج إلى من يفتح له الطريق.

فالمجتمعات لا تتقدم حين تنتظر من شبابها أن يتكيفوا مع المستقبل فقط، بل حين تمنحهم القدرة على صناعته. وحين نمنح الشباب المعرفة والثقة والفرصة، فإننا لا نبني جيلاً للمستقبل فحسب، بل نبني المستقبل نفسه، مستقبلاً تتحول فيه الطاقات الكامنة إلى قوة فاعلة في التنمية، ويتحول فيه الشباب من متلقين للتغيير إلى صانعين له، ومن باحثين عن الفرص إلى شركاء في صناعتها.

 ** الكاتب الفلسطيني علي فهمي أبو بكر حاصل على درجة الماجستير في القيادة والإدارة الاستراتيجية..  من يعبد – جنين ومقيم بمدينة نابلس.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى