أ.د. إبراهيم طه: الكبسولة الخامسة والتسعون (95).. لمّ الجَلّة!

ما سمعته من واحد لَطِخ في عرسٍ أربك انضباطي وأخرجني عن أدبي..
كان هذا يهزأ بصلف غريب وقلّة حياء من عرسٍ صغير متعفّف ومتواضع، ويفخر بأعراسهم ومهرجاناتهم، يفخر ويُباهي..
تسخر من القلّة وتفخر بالعدد يا عديم المروءة..
العدد عندك ميزان قيمة.. إذا حضر العرس أكثر من ألف ضيف فصاحب العرس في عِلّيّين، حتّى لو كان تافهًا!
وتسخر من الكَفاف، وتفخر بكثرة الأكل وأنواعه.. تنشر قبل شهر من العرس قائمة الطيّبات، التي ستُقدّمها على مدار أسبوع كامل من باب الإغراء والإغواء، وشعبك يهلك جوعًا كلّ يوم.. يا ذميم! وتسخر من التعفّف وتفخر بوفرة مالك!
هذه القلائد النقديّة الملوّنة، التي تقلّدها لعرسانك، هي استعراض مقيت يبدو العريس فيها مثل الشرشوح.. يا دميم!
هذا الرجل حالة خصاء.. ينطق من حنجرة القبيلة. والقَبَليّة هي منظومة فكريّة مقفلة مختومة بالشمع الأحمر، عمودها وعمادها العدد والكثرة والوفرة.
التفكير القَبَليّ كمّيٌّ يتعامل مع الواقع بوصفه ظواهر عدديّة استعراضيّة كمّيّة. والتفكير الكمّيّ نقليّ ينقل الفرد عن القبيلة كلّ ما يُملى عليه وينسخ.
هذا اللطخ دفتر نسخ.. كلّ الحريّة المتاحة له لا تكفي حتّى يقرّر ترتيب الكراسي في عرس ابنه!
ثمّ ختم استهزاءه بقوله: “إعرف العرس “زفت” من لَمّ الجَلِي”! الحقيقة، لم تكن كلمة “زفت” هي ما خرجت من فمه!
لكنْ، إكرامًا للقرّاء حوّلتُها إلى زفت! يقول المثل: “اعرف العرس من لمّ الجَلّة”.. هي “الجَلّة” وليس “الجَلِي” يا صفيق. والجَلّة هي حطب الفقراء والفلّاحين والطرّاشين..
كانت أمّ كامل، رحمها الله، تجمع الروث والبعر و”لطع” البقر تُدوّره بيديها وتُكوّره، بمهنيّة عالية، تعمل منه أقراصًا تُرصّع بها حيطان التبّان أو أيّ خُشّة عتيقة..
بعد أن تنشف الأقراص، وتصير مثل الحطب، تجمعها أمّ كامل في شوالات خيش ليومٍ لا حطب فيه، يوم تفيض الوديان والصقعة تقصّ المسمار.. هذي هي الجلّة. وهذا يومها!
كان آباؤنا وأجدادنا يستر بعضُهم بعضًا، يتعاونون على أعراسهم، فيتقاسمون الضيوف وحاجة العرس من الخرفان والسخول وزيت الزيتون والبرغل والقهوة ومعاميلها والطناجر والصحون والملاعق على قلّتها والحطب والجلّة.. وأنت؟! أنت فضيحة!
على كلّ حال، أمّ كامل تمثّل في وعيي ووجداني فكر الفقر الخلّاق وأنت مثال نموذجيّ لفقر الفكر التافه! وبين فكر الفقر وفقر الفكر، أختار أمّ كامل مع دمعةٍ في العين.. يا لعينَ الوالدين!!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



