محمد بكريّة: هذا ما حدث!

اعتلى الشيخُ الهَرِمُ درجاتِ المئذنة الحجريّة المهترئة، وقفَ لاهثًا، سدّ أذنَه بسُبابتِه ثمّ صاح بصوتٍ متهدّج:
يا أهلَ البلدة، يا ناس، اقتربَتْ العاصفة، يا ناس، اسمعوني، السماءُ رماديّة، داكنّة، هدوء في الجوّ، هدوء قبل العاصفة، يا ناس أعرفُها هذه الإشارات، اخرجوا واحتاطوا.
نادى ثمّ نادى حتى بُحّ صوتُه وانتفختْ عروقُ وجهِه، لم يرَ أحدًا يخرجُ من بيتِه، لم يفتحْ أحدٌ نافذتَه ليسمَعَه على الأقل وذلك أضعفُ الإيمان.
الأبوابُ موصدة، توجّه مهرولًا إلى الكنيسة العتيقة،قرعَ الجرسَ مرّاتٍ ومرّات دون جدوى، وبعد أنْ أصابَه الإحباط، شرعَ يطوفُ البلدة يذرَعُ حواريها، وهو ينزّقُ خطاه في الطرقات والساحات، نادى ثمّ نادى، لم يسمع صوتَ إنسيّ ولا حتى نباح كلب أو مواء قطّة.
يا ناس اقتربَ الطوفان، الطوفان آتٍ، الطوفان يا بشَر.
انتصفَ النهار والبلدةُ خاويةٌ على عروشِها، صمت، صمت على الأرض وفي السماء.
خرجَ الشيخُ من البلدة يُجَرجِرُ أذيالَ قُميازِه المقصّب، استدارَ خلفَه لمّا صارَ على أطرافِ البلدة، نظرَ طويلًا إلى المنازِل الصامتة، ذرفَ دموعًا من عينيْه المحمرّتيْن، ثمّ مضى بخطواتٍ ثقيلة، قيل لاحقًا بأنّ صوتًا من مصدرٍ خفيّ تردّدَ ودوّى في البلدة وهو يقول:
“وتَحسَبُهُم أيقاظًا وهم رقود ونُقلّبُهُم ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالِ، وكلبُهُم باسطٌ ذراعيْه بالوصيد، لو اطّلَعْتَ عليهم لولّيْتَ منهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ منهم رُعبًا”.
منذ ذلك الحين لم نسمَع أيّ خبرٍ عن الشيخ الهرم، كذلك عن أهلِ تلك البلدة.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى