د. نواعم شبلي جبارين: الاختلاف في الاجتهاد قد يكون ثراءً

ليس كل اختلافٍ خصومة، ولا كل تباينٍ في الرأي عداوة، ولا كل طريقٍ لا يشبه طريقنا يقود بالضرورة إلى الضلال. ففي رحابة الفكر، تتعدد الرؤى، وتتسع الزوايا، ويظل الإنسان قادرًا على أن يرى الحقيقة من نافذةٍ لم نلتفت إليها من قبل.
ومن هنا يأتي الاختلاف في الاجتهاد بوصفه ظاهرةً فكريةً صحية، قد تكون ثراءً للعقل، واتساعًا للمعرفة، وفتحًا لأبوابٍ جديدة من التأمل والفهم.
فالاجتهاد ليس ترفًا فكريًا، ولا رغبةً في مخالفة الآخرين لمجرد المخالفة، وإنما هو جهدٌ عقلي وعلمي يُبذل للوصول إلى الرأي الأقرب إلى الصواب، اعتمادًا على المعرفة والدليل، وعلى فهمٍ عميقٍ للنص والواقع والمقاصد.
وقد عرف تاريخ الفكر والفقه الإسلامي تعددًا في الآراء والاجتهادات، وكان من أسباب ذلك اختلاف العلماء في فهم بعض النصوص، أو في دلالات الألفاظ، أو في طرق الاستنباط، أو في ترجيح الأدلة عند تعارض ظاهري بينها. وهذا التنوع لم يكن بالضرورة علامة ضعف، بل كان في كثير من صوره دليلًا على حيوية العقل واتساع دائرة البحث.
الاختلاف الذي يفتح النوافذ
هناك فرقٌ شاسع بين أن أختلف معك، وبين أن أختلف عليك.
الأول قد يكون بداية حوار، أما الثاني فقد يكون بداية خصومة.
أن أقول: «أرى الأمر من زاوية أخرى» لا يعني أنني أرفضك، كما أن قولك: «لي رأي مختلف» لا يعني أنك تهدم رأيي.
إن المشكلة ليست في أن تختلف العقول، وإنما في أن تضيق الصدور.
فالعقل الناضج لا يخاف من الرأي الآخر؛ لأنه يدرك أن الفكرة القوية لا تحتاج إلى إسكات الآخرين كي تبقى، وأن الحقيقة لا تصبح أكثر صدقًا لمجرد أن الجميع صفقوا لها.
وقد يكون اختلافنا أحيانًا هو المعلم الذي يقودنا إلى مراجعة ما نظنه يقينًا، ويجبرنا على إعادة النظر فيما اعتدناه، ويمنحنا فرصة اكتشاف جوانب لم نكن نراها.
فكم من فكرةٍ ظن صاحبها أنها مكتملة، حتى جاءها رأي آخر فأضاف إليها ما كان ينقصها!
وكم من موقفٍ بدا لنا واضحًا، ثم كشف لنا الحوار أن وراءه تفاصيل لم نكن نعرفها!
الاجتهاد مسؤولية لا مزاج
غير أن الحديث عن ثراء الاختلاف لا يعني تحويل الاجتهاد إلى مساحةٍ للأهواء.
فالاجتهاد الحقيقي له أدواته، وله أصوله، وله أهله؛ وليس كل رأيٍ اجتهادًا، ولا كل مخالفةٍ دليلًا على عمق الفكر.
الاجتهاد مسؤولية قبل أن يكون حرية، وأمانة قبل أن يكون موقفًا، وعلمٌ قبل أن يكون جرأة.
ولهذا فإن احترام الاختلاف لا يعني أن نتساوى في كل الآراء، وإنما يعني أن نختلف بأخلاق، وأن نناقش بأدب، وأن نبحث عن الصواب لا عن الانتصار.
فليس الهدف من الحوار أن أخرج منه وقد هزمتك، بل أن نخرج معًا وقد اقتربنا خطوةً من الحقيقة.
وهنا تكمن قيمة العقل الذي يعرف كيف يختلف دون أن يسيء، وكيف يناقش دون أن يجرح، وكيف يتمسك برأيه دون أن يحتقر رأي الآخرين.
بين قوة الرأي ورقي صاحبه
قد يمتلك الإنسان رأيًا قويًا، لكنه يقدمه بطريقةٍ تجعله ضعيفًا.
وقد يمتلك آخر رأيًا بسيطًا، لكنه يطرحه بأدبٍ وهدوءٍ يجعلان الآخرين يصغون إليه.
فليست قيمة الفكرة في قوتها وحدها، وإنما في الطريقة التي نحملها بها إلى الآخرين.
الرأي حين يخرج من عقلٍ متواضع يصبح جسرًا، وحين يخرج من نفسٍ متعصبة يصبح جدارًا.
ولهذا فإن من علامات النضج الفكري أن يستطيع الإنسان أن يقول:
«قد أكون مخطئًا».
هذه العبارة القصيرة ليست هزيمة، بل قمة الشجاعة؛ لأن الاعتراف بإمكان الخطأ يعني أن الإنسان لا يعبد رأيه، ولا يجعل من فكرته صنمًا لا يقبل المراجعة.
الاختلاف يثري المجتمع
المجتمعات التي تتسع للاختلاف هي مجتمعات قادرة على النمو.
فحين تتعدد الأفكار، تتعدد الحلول، وحين تتعدد وجهات النظر، تتسع مساحة الابتكار، وحين يُسمح للعقول أن تتحاور بحريةٍ ومسؤولية، يصبح المجتمع أكثر قدرةً على مواجهة تعقيدات الحياة.
أما حين يتحول الاختلاف إلى تخوينٍ وتصنيفٍ وإقصاء، فإننا لا نخسر الرأي الآخر فقط، بل نخسر فرصة التعلم منه.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الفكر هو أن يعتقد صاحبه أنه امتلك الحقيقة كاملة، وأن الآخرين لا يملكون منها شيئًا.
فكل إنسان يرى جزءًا من المشهد، مهما اتسعت رؤيته، وتظل الحقيقة في كثير من القضايا أكبر من أن تختصرها زاوية واحدة.
ولهذا كان الحوار الراقي ضرورةً لا ترفًا، وكان قبول التعدد في الرؤى أحد مظاهر النضج الحضاري.
لا تجعل اختلافك مع الآخر خصومة معه
كم من علاقاتٍ جميلة انتهت لأن شخصًا لم يحتمل اختلافًا في الرأي!
وكم من صداقاتٍ تحولت إلى قطيعة لأن أحد الطرفين أراد أن يكون رأيه هو الكلمة الأخيرة!
وكم من أسرةٍ انقسمت، ومجتمعٍ تباعد، ومجالسُ صمتت، لأننا لم نتعلم بعد أن الاختلاف لا يلغي المودة.
يمكنني أن أختلف معك وأحترمك.
ويمكنني أن أرفض فكرتك دون أن أرفض إنسانيتك.
ويمكنني أن أرى الأمور بصورةٍ مختلفة دون أن أجعل منك خصمًا.
وهذا هو أدب الاختلاف الذي نحتاج إليه في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات أسرع من التفكير، والأحكام أسرع من المعرفة، والاتهامات أسهل من الحوار.
حين يصبح الاختلاف ثراءً
يصبح الاختلاف ثراءً حين يكون وراءه علم.
ويصبح ثراءً حين يكون دافعه البحث عن الحقيقة.
ويصبح ثراءً حين يخلو من التعصب.
ويصبح ثراءً حين نحسن الاستماع كما نحسن الكلام.
ويصبح ثراءً حين نعرف أن الإنسان قد يتغير رأيه عندما تتغير معطياته، وأن التراجع عن الخطأ فضيلة، وأن مراجعة الموقف ليست ضعفًا، بل دليل على حياة العقل.
أما الاختلاف الذي تحركه الأهواء، أو العصبية، أو الرغبة في الانتصار، أو تحقير الآخرين، فهو ليس ثراءً؛ لأنه لا يبني معرفة، ولا يفتح أفقًا، وإنما يزيد المسافات بين القلوب والعقول.
كلمة أخيرة
لسنا مطالبين بأن نتشابه حتى نعيش بسلام، بل نحن مطالبون بأن نحترم إنسانيتنا رغم اختلافنا.
فالحياة ليست نسخةً واحدة، والعقول ليست قالبًا واحدًا، والتجارب لا تمنح الناس جميعًا الدروس نفسها.
وقد يكون أجمل ما في اختلافنا أنه يعلّمنا التواضع؛ فأنا لا أملك كل الإجابات، وأنت كذلك، لكن حين نضع عقولنا في حوارٍ صادق، قد نصل إلى ما لا يستطيع أحدنا الوصول إليه منفردًا.
لذلك، لا تخف من الاختلاف إذا كان قائمًا على العلم والأدب والنية الصادقة.
ولا تجعل اختلافك مع الآخر سببًا لإلغاء فضله.
فربما كان في رأيه ما ينقص رأيك، وربما كان في زاويته ما لم تره من زاويتك، وربما كان اختلافكما ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
فالاختلاف في الاجتهاد قد يكون ثراءً، حين نختلف بعقولٍ واعية وقلوبٍ راقية؛ لأن الغاية من الفكر ليست أن ننتصر على بعضنا، وإنما أن ننتصر معًا للحق، وللحقيقة، وللإنسان.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



