سعيد العفاسي – صحافي | الصندوق بدل السوط: مفارقة الحرية الديمقراطية، حرية اختيار القيد

لم يكن الإغريق بحاجة إلى كثير من البلاغة كي يبرّروا عبوديتهم. كانوا أكثر فجاجةً، وربما أكثر صدقًا مع منطقهم الاجتماعي، المواطن مواطن، والعبد عبد، والديمقراطية حقٌّ لمن دخل دائرة المواطنة، لا لمن بقي خارجها، كان العبد يعرف أنه محروم من الكلام السياسي، وأن إرادته لا تدخل في حساب المجال العام. كانت السلسلة ظاهرة، والسلطة مرئية، والحدود مرسومة على نحو لا يحتاج إلى كثير من التأويل. أما نحن، فقد ارتقينا بالديمقراطية إلى صيغة أكثر تعقيدًا: لم نعد نمنع العبد من الاقتراع، بل أعطيناه ورقةً صغيرة، وطلبنا منه أن يختار سيده بنفسه. ثم سمّينا ذلك حرية. هنا تبدأ الحيلة الفلسفية.
فالسيد الحديث لا يحتاج إلى سوط، ما دام يستطيع أن يحوّل الخضوع إلى اختيار، والطاعة إلى مشاركة، والامتثال إلى إرادة شعبية. يكفي صندوق اقتراع، وحملة انتخابية، وشعارات عن الشعب، ووعد بالخلاص، ثم يكفي أن يعود المواطن إلى بيته مقتنعًا بأنه لم يُحكم، بل اختار أن يُحكم. كان روسو قد جعل من الإرادة العامة أساسًا للحرية السياسية، الإنسان لا يكون حرًا، في التصور الجمهوري، إلا حين يشارك في صناعة القانون الذي يخضع له. لكن المفارقة تبدأ عندما تنفصل الإرادة عن قدرتها على الفعل، وحين يصبح التصويت لحظةً عابرة تُسلّم بعدها السلطة إلى جهاز مستقل عن صاحبه. عندئذ لا يعود السؤال: هل اخترت؟ بل: ماذا بقي من اختيارك بعد أن اخترت؟
أما ماركس، فكان سيضع إصبعه على طبقة أخرى من الوهم: فالحرية القانونية لا تعني بالضرورة التحرر المادي. يمكن للإنسان أن يكون متساويًا أمام صندوق الاقتراع، بينما يظل متفاوتًا جذريًا في امتلاك الثروة، والوقت، والمعرفة، ووسائل التأثير. قد تتساوى الأصوات من حيث العدد، لكن شروط إنتاج الإرادة ليست متساوية بالضرورة. وهنا تصبح الديمقراطية السياسية قابلةً لأن تتعايش مع أشكال شديدة العمق من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. ثم يأتي فوكو ليقلب السؤال رأسًا على عقب. فالسلطة، في تصوره، ليست فقط شيئًا يُمارس من أعلى إلى أسفل؛ إنها شبكة تتخلل المؤسسات والخطابات والعادات والمعارف، وتعمل أحيانًا من خلال جعل الفرد شريكًا في إنتاج خضوعه. أخطر سلطة ليست تلك التي تقول لك، “أنت مجبر”، تلك التي تجعلك تقول بمحض إرادتك، “لقد اخترت”. فالإنسان قد يصبح، على نحوٍ مفارق، حارسًا على القفص الذي يسكنه، لأنه تعلّم أن يسمي القفص “اختيارًا”.
ومن جهة أخرى، كان توكفيل شديد الحساسية تجاه خطر أن تتحول المساواة السياسية إلى نوع من الامتثال الجماعي؛ إذ يمكن للرأي العام، حين يشتد نفوذه، أن يصبح سلطةً لا تقل ضغطًا عن السلطة الرسمية. وهكذا قد لا يحتاج الاستبداد الحديث إلى أن يمنع الجميع من الكلام؛ يكفي أحيانًا أن يجعل الجميع يتكلمون اللغة نفسها. لكن هل يعني ذلك أن صندوق الاقتراع خدعة؟ ليس بهذه البساطة. فالمشكلة ليست في الديمقراطية بوصفها حقًا في المشاركة، وإنما في اختزال الديمقراطية في فعل التصويت. فالديمقراطية التي تبدأ عند الصندوق وتنتهي عنده ليست سوى نصف ديمقراطية؛ لأن الحرية السياسية لا تُقاس فقط بمن نختار، تنماز بقدرتنا المستمرة على مراقبة من اخترنا، ومساءلته، وتقييد سلطته، وتغيير القواعد التي تحكمنا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للحرية أن تتحول إلى كلمة تُستخدم لتبرير غيابها. عندئذ يصبح المواطن حرًا في اختيار البدائل التي عُرضت عليه، لكنه لا يملك بالضرورة حق إنتاج بدائل جديدة. يختار الوجوه، ولا يختار دائمًا القواعد. يبدّل الحكام، لكنه قد يعجز عن تبديل البنية التي تنتج الحكام. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها، لم يعد العبد محتاجًا إلى سيد يقف أمامه بالسوط؛ يكفي أن يُمنح حق اختيار السوط الذي سيُرفع فوقه، ثم يُطلب منه أن يحتفل بحريته. ربما لهذا ينبغي أن نعيد تعريف السؤال الديمقراطي. ليس السؤال الحاسم، “من اخترت؟، وإنما، “ما الذي تستطيع أن تغيّره بعد أن اخترت؟”. وليس المهم فقط أن يكون لك صوت، الاهم أن تكون لك قدرة حقيقية على التأثير في شروط حياتك. فالديمقراطية لا تصبح حريةً لمجرد أن الإنسان يشارك في اختيار السلطة؛ الديمقراطية أن تصبح حرية حين لا يعود الإنسان مضطرًا إلى اختيار سيده أصلًا.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



