محمود عمّاش: نخشى مَن يفرّقنا… ولا نخشى ما نفعله ببعضنا

ما أغربنا حين نجتمع وما أشدّ غربتنا عن بعضنا حين نفترق!

نُجيد الحديث عن الوحدة حين نشعر بالخطر ونرفع أصواتنا دفاعًا عن كرامتنا الجماعية ونستنكر كلّ محاولةٍ للنيل من تماسكنا. لكنّنا في زحمة الشعارات والمواقف، ننسى أن نسأل سؤالًا قد يكون أشدّ إيلامًا من كلّ ما نخشاه:
كيف نخاف ممّن يريد تفريقنا ولا نخاف ممّا نفعله نحن ببعضنا؟

نغضب حين يمسّ أحدٌ كرامتنا ثم نستسهل المساس بكرامة من يختلف معنا ونرفض الظلم حين يقع علينا وقد نجد له ألف تبرير حين يقع على غيرنا ونطالب بالإنصاف ثم نوزّع أحكامنا على الناس بحسب قربهم منّا أو بُعدهم عنّا.

وكأنّ للكرامة عند بعضنا شروطًا وللعدالة استثناءات وللأخلاق أبوابًا تُفتح للأصدقاء وتُغلق في وجوه المختلفين…

لقد ذكّرتنا المشاهد الأخيرة بأنّنا قادرون على الالتقاء رغم اختلافاتنا وأنّ ما يجمعنا أعمق من كثيرٍ من المسافات التي صنعناها بأيدينا لكنّ الامتحان الحقيقي لا يبدأ حين نتّفق، بل حين نختلف.

فما أسهل أن نكون إخوةً حين تتشابه المواقف وما أصعب أن نحفظ حقّ الأخوّة حين تتباعد الطرق…

ولعلّ أكثر ما يؤلمني في أحوالنا أن سنواتٍ من العِشرة والعمل والمودّة قد تُختزل فجأةً في خلافٍ واحد. خلافٌ قد تكون أسبابه حقيقيةً أو متوهَّمة جوهريةً أو عابرة لكنّه يتحوّل عند البعض إلى ترخيصٍ مفتوح للتجريح والتشهير والطعن بل والمجاهرة بذلك وكأنّ الإساءة بطولة، وكأنّ هدم صورة الآخر انتصار…

أيعقل أن يصبح مَن عرفنا فضائله بالأمس عاجزًا عن رؤية حسنةٍ واحدةٍ فيه اليوم؟

وهل يملك الخلاف قدرةً عجيبةً على محو التاريخ أم أنّ بعضنا لا يرى في الناس إلّا ما تسمح به مصالحه؟

والأشدّ مرارةً أن تصدر مثل هذه الممارسات أحيانًا ممّن يُنتظر منهم أن يكونوا أكثر اتّزانًا وحكمةً ومسؤولية بحكم مواقعهم أو تجاربهم أو تأثيرهم في المجتمع.

فليست القامة ما يرفعه المنصب ولا القيمة ما يمنحه اللقب ولا الهيبة ما يصنعه المديح. القامة الحقيقية تظهر حين تختلف مع الآخرين وتبقى أكبر من أن تُصغّرك الخصومة.

ولنكن منصفين ليس كلّ خلافٍ إساءة ولا كلّ ابتعادٍ خيانة ولا كلّ نقدٍ تجريحًا فمن حقّ الإنسان أن يغيّر موقفه وأن يراجع قناعاته وأن ينهي علاقةً لم تعد تصلح للاستمرار ومن حقّه أيضًا أن يعترض وأن يكشف خطأً حقيقيًا بالوسائل المسؤولة…

لكن ليس من حقّه أن يختلق ليجرح أو يُهين لينتصر أو يحوّل المعرفة القديمة إلى سلاحٍ في معركةٍ جديدة.

لقد ورثنا عن أهلنا قيمًا لم تكن تحتاج إلى خطاباتٍ لتُثبت حضورها… حُرمة العِشرة وحقّ الجيرة وصون الغائب ونجدة المحتاج وإكرام الإنسان حتى عند الاختلاف معه.

ولستُ أزعم أنّ الماضي كان خاليًا من العيوب لكنّني أتساءل… كيف تقدّمنا في وسائل التواصل وتراجعنا أحيانًا في فنّ التواصل؟ وكيف اتّسعت منصّاتنا وضاقت صدورنا؟ وكيف أصبح بعضنا أسرع إلى نشر عثرة أخيه من مدّ يده لإقالته منها؟

إنّ المجتمع لا تفتّته الخلافات وحدها…. تفتّته الطريقة التي نُدير بها خلافاتنا…. تفتّته الكلمة التي نعرف أنّها ستؤذي فنقولها والإشاعة التي نشكّ في صدقها فننشرها والشماتة التي نُخفيها خلف ابتسامة والصمت الذي نلوذ به حين يتعرّض إنسانٌ للظلم لأنّه لا ينتمي إلى دائرتنا.

وما أخطر أن تتحوّل الخصومة من اختلافٍ في المواقف إلى إفلاسٍ في المروءة…

نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه كي نتوحّد ولا إلى أن نُصفّق لبعضنا كي نحترم بعضنا بل نحتاج فقط إلى استعادة البوصلة الأخلاقية التي تمنعنا من ظلم مَن نختلف معه وتُذكّرنا بأنّ كرامة الإنسان ليست مكافأةً على ولائه لنا.

فلا معنى لوحدةٍ نهتف لها في الميادين ثم نهدمها في المجالس ولا قيمة لانتماءٍ نتباهى به أمام الآخرين إن كنّا نعجز عن ترجمته إلى إنصافٍ ورحمةٍ واحترامٍ بيننا.

وفي هذه الجمعة لا أريد أن أفتّش عمّن يريد فرقتنا ولا أن أُحصي أخطاء الآخرين. أريد أن أبدأ من السؤال الذي يضعني أنا أيضًا أمام مسؤوليتي:

هل كنتُ منصفًا حين اختلفت؟ وهل حفظتُ الودّ حين افترقت؟ وهل بقيتُ وفيًّا لقيمي حين لم تعد المصلحة تجمعني بمن عرفت؟

فالوحدة ليست أن نقف في الصفّ ذاته يومًا بل أن نرفض الوقوف على كرامة بعضنا كلّ يوم.

وأخشى ما أخشاه ألّا ينجح أحدٌ في تفريقنا لأنّنا نكون قد سبقناه إلى ذلك… بألسنتنا وبأحكامنا وبما سمحنا لأنفسنا أن نفعله ببعضنا…

بصمة في الفكر… وأثر في الميدان!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى