د. علي خليل جبارين: حتى لا يتيه أطفالنا بين الكلمات!

المجتمعات الناجحة ليست الأكثر امتلاكا للموارد, بل الأقدر على تحويل مواردها إلى فرص وفرصها إلى إنجازات وقضاياها إلى نقاشات شفافة تفضي الى حلول عملية قابلة للتنفيذ .وفي هذا السياق, لا بد من الإشارة إلى أن المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني قد حقق خلال السنوات الماضية بعض الإنجازات المهمة في مجال التربية والتعليم رغم التحديات. ومع ذلك, يبقى السؤال الأهم, الذي ينتظر إجابة واضحة وشفافة من القائمين على جهاز التربية والتعليم العربي: هل يقرأ طلابنا بطلاقة ويفهمون ما يقرؤون عند نهاية الصف الثالث الابتدائي؟ وما نسبة الطلاب الذين يستطيعون ذلك؟.
ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال, لماذا هذه المرحلة بالذات؟ تكتسب هذه المرحلة أهمية حاسمة في حياة أطفالنا وطلابنا؛ إذ تشير الباحثة جين تشول إلى أن الطفل حتى نهاية الصف الثالث يتعلم القراءة ويكتسب مهاراتها الأساسية, لينتقل بعدها إلى استخدام القراءة أداة للتعلم في مختلف المجالات. وفي السياق نفسه, يؤكد الباحث دونالد ج. هرنانديز أن الطفل الذي لا يقرأ بكفاءة عند نهاية الصف الثالث يكون أكثر عرضة بأربع مرات لعدم إتمام المرحلة الثانوية. كما يشير البنك الدولي إلى أن أكثر من 70% من الأطفال في العديد من البلدان النامية يعانون عند بلوغهم سن العاشرة من “فقر التعلم” نتيجة ضعف مهارات القراءة بلغة الأم. وتؤكد هذه الاستنتاجاتالأهمية الحاسمة لهذه المرحلة وضرورة إتقان مهارات القراءة والفهم بلغة الأم بحلول نهايتها.
كما و تشير نتائج الاختبارات الدولية والمحلية التي يتقدم لها الطلاب العرب ونظراؤهم اليهود في إسرائيل إلى فجوة تحصيلية مزمنة ولا سيما في مهارات اللغة الأم عند نهاية الصف الثالث. ففي اختبارPIRLS 2021, الذي يقيس مهارات القراءة لدى طلاب الصف الرابع, بلغت الفجوة 75 نقطة لصالح الناطقين بالعبرية. وفي اختبار PISA 2022, المخصص للطلاب في سن الخامسة عشرة, بلغت 136 نقطة في القراءة و 98 نقطة في الرياضيات و100 نقطة في العلوم لصالح الناطقين بالعبرية. أما في امتحانات الميتسافللأعوام 2008-2018 فبلغ معدل الفجوة 43 نقطة في الرياضياتو 59 نقطة في الإنجليزية و34 نقطة في العلوم والتكنولوجيا و24 نقطة في اللغة الأم. وفي اختبار TIMSS 2023 لطلاب الصف الثامن بلغت الفجوة 90 نقطة في الرياضيات و62 نقطة في العلوملصالح الناطقين بالعبرية.
تبدو الأرقام أعلاه أكثر خطورة عند مقارنة الفجوة بين إسرائيل وسنغافورة على سبيل المثال, إذ بلغ معدل الفارق في أحدث مؤشرات PISA و TIMSS وPIRLS نحو 110 نقاط, حيث وصل إلى 130 نقطة في الرياضيات, و 125 نقطة في العلوم, و99 نقطة في القراءة لصالح سنغافورة. وتزداد دلالة هذه الفجوة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل 30 نقطة تعادل تقريبا سنة دراسية كاملة, ما يعني أن الفارق قد يعكس عدة سنوات من التعلم. وفي هذا السياق, يبدو مستوى تحصيل الطلاب العرب في إسرائيل أكثر ضعفا عند مقارنته بمعايير الدول المتقدمة, بما ينذر بتراكم فجوات التعلم منذ السنوات الأولى, ولا سيما عندما لا يتقن الطفل القراءة والفهم بلغته الأم. وقد تنعكس هذه الفجوات لاحقا على التحصيل في الرياضيات والعلوم, ونتائج البجروت, ومخاطر التسرب وفرص الالتحاق بالتعليم العالي.
لكن كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ فمن صف روضة أولى حتى نهاية الصف الثالث الابتدائي, يقضي الطالب ست سنوات تعليمية بمعدل 190 يوما دراسيا في السنة وست ساعات تعليمية يوميا, أي ما مجموعه نحو 6840 ساعة تعليمية. فلماذا تبقى هذه الفجوة؟ وكيف يصل نحو 30% من طلابنا إلى نهاية الصف الثالث وهم غير قادرين على قراءة نص بسيط بالعربية و فهمه؟ وكيف نقبل أن يقرأ نحو 60% منهم بمستوى متدن لا يؤهلهم للانتقال بجدارة إلى المرحلة الثانية, من الصف الرابع حتى الصف السابع؟. والأهم من ذلك: كيف يمكن أن نسمح باستمرار هذه الفجوات في التحصيل واستمرار تدني مهارات القراءة باللغة الأم لدى الطلبة في المرحلتين الإعدادية والثانوية, من الصف الثامن حتى الصف الثاني عشر؟.
ختاما, علينا أن ندرك أن الطالب إذا لم يتعلم كيف يقرأ, فلن يقرأ حتى يتعلم. فكيف له أن يتدبر ايات الكون إذا عجز عن قراءة اياتالقران؟ وكيف له أن يشارك عندما يكبر في حراك اجتماعي وسياسي اقتصادي حقيقي إذا كان عاجزا عن قراءة نصوص بسيطة بلغته الأم؟ ندرك بالطبع أن هنالك عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة تسهم في هذه الفجوات, لكن ذلك لا يعفينا كمجتمع ومدارس وأسر ومؤسسات ثقافية وأفراد من مسؤوليتنا في ألا نسمح لأي من أبنائنا او بناتنا بإنهاء الصف الثالث الابتدائي دون إتقان مهارات القراءة في اللغة الأم, والقدرة على قراءة النصوص والمسائل الرياضية باللغة العربية بطلاقة وفهمها والتعامل معها بكفاءة.
و الله الموفق و المستعان
2
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com


