د. عوفر حن: الأقلية العربية وحدود الديمقراطية الإسرائيلية

لا تُقاس متانة المجتمع الديمقراطي ومدى التزامه بالمساواة بمجرد إجراء انتخابات حرة، بل، قبل كل شيء، بطبيعة تعامله مع الأقلية التي تعيش فيه. فالانتخابات وحكم الأغلبية شرطان أساسيان للديمقراطية، لكنهما ليسا شرطين كافيين.
وقد شدّد جون ستيوارت مِل، منذ القرن التاسع عشر، على أن التمثيل الملائم للأقليات ليس مجرد إضافة شكلية إلى الديمقراطية، بل عنصر جوهري فيها. فالمجتمع الذي تتمتع فيه أقلية ما بالمساواة الرسمية في الحقوق، بينما يُمنع ممثلوها المنتخبون من المشاركة في الحكم والتأثير في سياساته، ولا سيما حين تنظر إليهم الأغلبية باعتبارهم غير جديرين بالشراكة السياسية، لا يمكن اعتباره مجتمعًا ديمقراطيًا قائمًا على المساواة.
إن مسألة التعامل مع الأقلية العربية ليست قضية هامشية في السياسة الإسرائيلية، بل هي مسألة مركزية تكشف عن الشخصية الأخلاقية للمجتمع اليهودي نفسه. ففي رسالته إلى شتيفان تسفايغ في شباط/فبراير 1930، جعل يهودا ليب ماغنس، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس الجامعة العبرية، التعامل مع العرب معيارًا للحكم على الشخصية الأخلاقية للقومية اليهودية.
وكتب: “بالنسبة إليّ، المسألة العربية هي مسألة يهودية؛ إن تعاملنا مع العرب هو المحكّ الذي تُختبر به يهوديتنا”. ولعل أوضح معيار للحكم على الشخصية الأخلاقية للمجتمع الإسرائيلي، وعلى مدى صدقية الادعاء بأن إسرائيل هي “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، هو النظر في طريقة تعاملها مع الأقلية العربية داخلها.
لا يقتصر التمييز ضد المواطنين العرب في إسرائيل على مظاهر عنصرية متفرقة، بل يتجلى بوضوح في معطيات قابلة للقياس، ومنها الفجوات المستمرة في معدلات التشغيل والتمثيل في الخدمة العامة، فضلًا عن الفجوات في مجالات الفقر والتخطيط والبناء وتخصيص الميزانيات.
وقد خلص مراقب الدولة الإسرائيلي، في تقارير متكررة، إلى أن الحكومات الإسرائيلية لم تنجح في تحقيق المساواة الفعلية بين اليهود والعرب، وأن التمييز يتجلى بوضوح في النتائج. ولا يعني ذلك أن كل معطى، بمفرده، يثبت وجود تمييز مباشر ومتعمد. لكن عندما تتراكم الفجوات على مدى سنوات، وتظل العوائق المؤسسية قائمة، وتشير هيئات الرقابة الرسمية إلى غياب المساواة، يصبح من المستحيل إنكار الوقائع. ويبدو أن هذه المعطيات هي نتاج واقع لا تحظى فيه أقلية تشكّل نحو خُمس سكان إسرائيل بتمثيل ملائم في مؤسسات الدولة، فيما يُبعَد ممثلوها المنتخبون عن مراكز صنع القرار.
ويتجلى أحد أوضح مظاهر التعامل مع الأقلية العربية، بما يكرّس التمييز ضدها، في فترات الانتخابات. ففي طقس يتكرر مع كل دورة انتخابية، تعود مسألة ولاء المواطنين العرب في إسرائيل وممثليهم المنتخبين إلى الواجهة. لكن ما انكشف في الدورة الانتخابية الحالية ليس ازدواجية المعايير في التعامل مع الأقلية العربية فحسب، بل أيضًا حدود الشرعية في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
كانت القائمة العربية الموحدة (رَعَم) أول قائمة واجهت مطالبات بشطبها ومنعها من خوض الانتخابات، رغم أن قادتها أدانوا صراحةً مجزرة السابع من أكتوبر واستهداف المدنيين الأبرياء، وأعلنوا مرارًا أن القائمة تعترف بالطابع اليهودي لإسرائيل وتحترمه، وتسعى إلى الانضمام إلى الائتلاف الحكومي، خصوصًا من أجل معالجة الضائقة والمشكلات العديدة التي يعاني منها جمهور ناخبيها. ومع ذلك، وُجّهت إليها اتهامات بدعم الإرهاب، لأن قادتها اكتفوا بإدانة حماس ولم ينضموا إلى المطالبة بـ “القضاء عليها بالكامل”.
صحيح أن المحكمة العليا ألغت قرار لجنة الانتخابات بشطب القائمة، لكن مجرد المطالبة بشطبها يكشف عن مفارقة لافتة: فالحزب العربي الذي يسعى إلى المشاركة في الحكم والعمل من أجل مصالح ناخبيه لا يُقيَّم على أساس برنامجه السياسي أو الاجتماعي، بل على أساس مدى استعداده لتبنّي الخطاب القومي المتشدد الذي يطالب بـ”القضاء على حماس”.
وطُرحت مطالبة أخرى بشطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، الذي يدعو إلى حل الدولتين، ويعارض تعريف إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، ويناصر تحويلها إلى “دولة جميع مواطنيها”.
واستند طلب الشطب إلى مقال نشره أبو شحادة في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي بعد يوم واحد من هجوم حماس، وصف فيه الهجوم بأنه «حدث تاريخي مهم» من الناحية العسكرية والسياسية والاستراتيجية، وكتب: “إذا كانت غزة الصغيرة والمحاصرة قد نجحت في تنفيذ عملية كهذه، فإن آخرين يستطيعون فعل ذلك بسهولة أكبر”.
لا شك في أن هذه التصريحات افتقرت إلى الحساسية واللياقة. غير أن أبو شحادة أعرب عن ندمه عليها، وأكد أنه لم يؤيد قط الكفاح المسلح، وأنه دعا طوال حياته إلى السلام واللاعنف. ومع ذلك، قررت لجنة الانتخابات شطب ترشيحه.
وبعد نقاش مطوّل في هذه الادعاءات وغيرها، أجازت المحكمة العليا مشاركة القائمة العربية الموحدة والتجمع الوطني الديمقراطي في الانتخابات. لكن قرار المحكمة بالسماح للقائمتين بخوض الانتخابات لم يغيّر حقيقة وجود شبه إجماع في المنظومة السياسية على عدم إشراك الأحزاب العربية في أي ائتلاف حكومي، أو حتى الاعتماد على دعمها من الخارج. وأصبح أي خروج عن هذا التعهد يُصوَّر باعتباره خيانة.
كما تسهم وسائل الإعلام الإسرائيلية في تكريس هذا الخطاب، إذ تُلزم ممثلي أحزاب الوسط واليسار، في كل مقابلة تقريبًا، بتوضيح ما إذا كانوا مستعدين إلى الاعتماد على دعم الأحزاب العربية، وكأن ذلك اختبار لولائهم الوطني.
وهكذا يُستبدل بالسؤال الديمقراطي – أي حكومة يمكن تشكيلها استنادًا إلى نتيجة الانتخابات وحكم الأغلبية؟ – سؤالٌ قومي: هل يجوز احتساب أصوات الناخبين العرب عند تحديد هوية الحكومة التي ستتولى الحكم؟ وينشأ عن ذلك، عمليًا، تدرّج واضح في المكانة السياسية للمواطنين: يحق للأغلبية أن تختار الحكومة، أما الأقلية فيُسمح لها بانتخاب ممثليها، من دون أن يُمنح هؤلاء الممثلون حق التأثير في تشكيل الحكومة، فضلًا عن تمكينهم من العمل من أجل مصالح ناخبيهم.
وفي مقابل التعامل مع ممثلي الأقلية العربية، تكشف طريقة التعامل مع أحزاب ومرشحين آخرين، لم يُسمح لهم بخوض الانتخابات فحسب، بل اعتُبروا أيضًا شركاء محتملين في ائتلاف حكومي، عن حدود الخطاب السياسي المقبول في إسرائيل.
فعلى سبيل المثال، لم يعترض أحد على ترشيح يوسف حداد، وهو عربي يخوض الانتخابات ضمن قائمة تعلن صراحةً تأييدها لتشجيع هجرة الفلسطينيين من غزة. وربما يعود اختلاف طريقة التعامل مع ترشيحه إلى انتمائه إلى حزب يتبنى الخطاب القومي المتشدد السائد، في حين تُوضَع الأحزاب العربية التي تطالب بالمساواة المدنية والمشاركة السياسية، مع تمسكها بهويتها القومية، خارج نطاق الشرعية السياسية.
وبالمثل، لم تُثر اعتراضات على أهلية موشيه فيغلين، رئيس حزب “زيهوت” (الهوية)، للترشح، رغم أنه دعا في الماضي إلى وقف إمدادات المياه والكهرباء والغذاء إلى غزة، وأعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2026 التزامه بتشجيع هجرة الفلسطينيين، قائلًا: «ستكون هناك هجرة بنسبة مئة في المئة من غزة، ولن يبقى فيها حتى طفل واحد».
وكذلك لم تُثر اعتراضات على أهلية إيتمار بن غفير، الذي اعتاد تزيين غرفة الجلوس في منزله بصورة باروخ غولدشتاين، الذي قتل 29 مصلّيًا فلسطينيًا بريئًا، والذي لم يُسمح له بخوض الانتخابات فحسب، بل تولّى أيضًا منصبًا وزاريًا رفيعًا. ولم تُثر مثل هذه الاعتراضات كذلك على بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن صراحةً أنه يعارض أن تتشارك زوجته غرفةً في المستشفى مع امرأة عربية.
قد لا تشكّل أي واحدة من هذه التصريحات، بمفردها، أساسًا قانونيًا كافيًا لمنع مرشح من خوض الانتخابات.. لكن أليس في هذه التصريحات ما يستدعي طرح أسئلة أخلاقية وسياسية صعبة؟ كيف يمكن أن يُنظر إلى سياسيين يتحدثون بلغة عنصرية، ويبررون إقصاء المواطنين العرب في إسرائيل، ويدعمون التشجيع الفعلي على هجرة الفلسطينيين، أو سبق لهم أن أبدوا إعجابهم بقاتل جماعي، باعتبارهم مؤهلين للمشاركة في الحياة السياسية، بينما تُعامَل الأحزاب العربية التي تسعى إلى الاندماج في آليات صنع القرار والعمل من أجل المساواة المدنية باعتبارها واقفة خارج حدود الشرعية؟
تكشف هذه الفجوة عن الحدود التي ترسمها السياسة الإسرائيلية لما يُعدّ مشاركةً سياسيةً مقبولة. ففي نظر قطاعات واسعة من المنظومة السياسية، ليس العربي الجدير بالشراكة هو الذي يطالب بالمساواة والمشاركة، بل العربي الذي لا يتحدى الخطاب القومي السائد ولا يشكك في تفوقه.
وبعبارة أخرى، يُنظر إلى العربي الذي يريد المشاركة في الحكومة والتأثير في سياساتها والعمل من أجل مصالح ناخبيه باعتباره غير جدير بالشراكة، في حين يُعدّ العربي الآخر، الذي يتبنى مواقف الإقصاء القومي، شريكًا شرعيًا. وهكذا تتحول المواطنة، عمليًا، من وضع قانوني متساوٍ إلى وضع مشروط، وتتحول الشراكة السياسية من حق مدني إلى مكافأة تمنحها مجموعة الأغلبية لمجموعة الأقلية.
إن الادعاء بأن إسرائيل هي “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” لا يمكنه أن يحجب الواقع القائم. فوجود الانتخابات والمؤسسات القضائية شرط أساسي للديمقراطية، لكنه لا يضمن المساواة السياسية الفعلية. وعندما يُسمح للمواطنين المنتمين إلى أقلية بالتصويت.. لكن تُستبعد أصواتهم من التأثير في هوية الحكومة المنتخبة، ويُمنع ممثلوهم من أي إمكانية للتأثير، في حين يحظى الإقصاء القومي بالشرعية، تنكشف الهوة بين ديمقراطية قائمة على المساواة وديمقراطية جوفاء.
إن التعامل مع الأقلية العربية هو الاختبار الأهم للديمقراطية الإسرائيلية، وعلى أساسه ينبغي الحكم عليها. فلا يمكن لإسرائيل أن تتباهى بكونها دولة ديمقراطية، بينما تتعامل مع خُمس مواطنيها باعتبارهم شركاء منقوصي الحقوق، تُحتسب أصواتهم من دون أن يكون لها تأثير فعلي.
إن الديمقراطية التي تمنح حق التصويت، لكنها تقيّد إمكانية التأثير في الحكم بسبب الهوية الدينية أو القومية، هي ديمقراطية مريضة وجزئية ومشوّهة. فالمشكلة ليست في أن الأقلية لا تفوز في الانتخابات، بل في أن الأغلبية ترفض الاعتراف بها شريكًا على قدم المساواة.
** الدكتور عوفر حن هو باحث في معهد أبحاث الشتات في جامعة تل أبيب.. خريج أقسام التاريخ والفلسفة والتلمود، وحاصل على زمالة ما بعد الدكتوراه في القانون من جامعة تل أبيب.
تتناول كتبه وأبحاثه مجموعة واسعة ومتنوعة من الموضوعات، بدءًا من دراسة النزعة المسيحانية اليهودية وتاريخ القانون الإسرائيلي، وصولًا إلى الأدب الحديث وتاريخ “الهالاخاه” (الشريعة اليهودية). وهو عضو في رابطة الكتّاب الاسرائيليين.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



